«المنظومة الحاكمة» أو «التيكتوكرز»: إنصهار التفاهة مع الجريمة

«المنظومة الحاكمة» أو «التيكتوكرز»: إنصهار التفاهة مع الجريمة

«المنظومة الحاكمة» أو «التيكتوكرز»: إنصهار التفاهة مع الجريمة

  • ١٥ أيار ٢٠٢٤
  • فتات عيّاد

«إنّ التفاهة وحدها التي تجني أرباحاً كثيرة هذه الأيام»... فكيف إذا ما انصهرت كنظام قائم بذاته مع الجريمة؟

إنّ التفاهة وحدها التي تجني أرباحاً كثيرة هذه الأيام». بعد أكثر من مئة عام على مقولة الفيلسوف الألماني فريديريك نيتشه، تجد في لبنان تافهان يجنيان أرباحاً كثيرة: «تيكتوكر» يعيش من تمويل «داعميه» على تيكتوك، والمنظومة الحاكمة، والتي تعيش على نهب أموال الشعب اللبناني، مع فارق أنّ الداعمين يدفعون المال بمحض إرادتهم، بينما يُسرق الشعب اللبنانيّ رغماً عنه.
عصر التفاهة، الذي تنبّأ به نيتشه، وصّفه الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة» كنظام قائم بذاته. فتأثير التيكتوكرز على أوقات فراغ اللبنانيين، والسلطة الحاكمة على حاضرهم ومستقبلهم، ليست بالمصادفة البريئة.
مرحباً بكم في لبنان، حكم التفاهة والتافهين. حكم «يعلّم» فيه وزير الخارجية السابق جبران باسيل الحكومات كيف تدار البلاد بلا موازنات. فيما «يعلّم» رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، الدول المنهارة، كيف تخرج من انهيار يغرق لبنان به منذ 5 سنوات، عبر «ورقة إصلاحية» تضعها حكومته في 5 أيام. أما أمين عام حزب الله حسن نصرلله، الذي ساهمت دويلته بانهيار الدولة، فيعلّم اللبنانيين كيف تحل الأزمة الاقتصادية، عبر الزراعة على الشرفات. 
«تغيّر الزّمن، فالتافهون أمسكوا السلطة وباتوا يخطفون الأضواء ويوجّهون القيم»... يقول دونو رابطاً نظام التفاهة بأداء الفساد وفعل السقوط. والتفاهة متلازمة مع فساد الطبقة السياسية في لبنان. لكن متلازمة أخرى أشدّ خطورة، لم يأتِ على ذكرها في  كتابه، وهي انصهار التفاهة بالجريمة. 
فصدمة اللبنانيين الحقيقية بتيكتوك، لم تكن بالتفاهة، بل بنظام الجريمة المنظمة لتيكتوكرز، يخفون وراءهم جرائم تبييض أموال وشبكات اغتصاب ودعارة. وعصابة جورج مبيض أو عصابة Hairzone التي كشفت الوجه المظلم لتيكتوك في لبنان، هي نموذج عن خطورة انصهار التفاهة بالجريمة. 
لكن ألا ينطبق هذا الإنصهار الأشبه بفيلم رعب، على المنظومة الحاكمة في لبنان؟ أليست تافهة ومجرمة في آنٍ؟ هي التي تنظّر على البلدان في إدارة بلاد منهارة، كانت السبب في انهيارها وسرقة ثرواتها من حقل كاريش إلى أموال المودعين وتسببت بانفجار 4 آب؟
الجريمة مستمرة. وآخر الجرائم، رشوة المليار يورو من الاتحاد الأوروبي، أو «داعمي» المنظومة وفق لغة التيكتوكرز، لإبقاء النازحين السوريين في لبنان على حساب مصلحته الوطنية. 
وفي معياري التفاهة والجريمة، تصبح المنظومة الحاكمة أقوى تيكتوكر في لبنان، مع احتساب مدى تفاهتها، وإجرامها، ومدى تأثيرها «اللعنة» على شعب لبنان. 

جشع المال... من التفاهة إلى العنف 
تهافت البعض للمطالبة بإيقاف تيكتوك في لبنان، كمسبّب برأيهم للجريمة. لكن مواقع التواصل الإجتماعيّ، ما هي إلا مرآة للمجتمع وجرائمه. فتيكتوك لم يكن إلا وسيلة للمجرمين لاستدراج ضحاياهم. 
جرم تيكتوك الحقيقيّ أنه ساهم في إظهار التفاهة، وجعلها «تطفو» على السطح، ليصعد نجم التافهين إلى مصافّ المؤثرين. ويضاف إلى هذا الجرم جرم أشدّ فتكاً، تتفرد فيه هذه المنصة عن غيرها، هو كسب المال السريع دون جهد، وأغلب ذلك المال غير شرعيّ.
ما عليك إلا بخاصية اللايف live فيديو، وبإلقاء كمٍّ من الإيحاءات الجنسية، أو لعب دور مهرج كما فعل جورج مبيّض، كأن تشكّل على رأس أحدهم تسريحة شعر مقززة، فتملؤه بالبطيخ أو الليمون، أو الحجارة، وستصبح تيكتوكر مشهور بمضمون متوسط، لا ذوق رفيع فيه ولا هو فارغ .
وخُذ من الإيموجيز emojis «يللي قلبك بيحّبّن». والإيموجي في تيكتوك هنا هي أموال يدفعها «داعمون» وأغلاها قيمة الحوت والأسد الذي تبلغ قيمته 300 دولار... 
وبعض جولات البث المباشر يتجاوز تمويل الداعمين فيها العشرة آلاف دولار، يرميها الداعمون لك، يذهب نصفها لتيكتوك، ونصفها تستلمه من moneygram في لبنان، بعد اقتطاع نسبة 2% لشركة تحويل الأموال، وبعدها تتقاسم الأرباح مناصفة مع الداعم، الذي يكون قد نجح بعملية تبييض أمواله. وهنا تبدأ أنت بإدمان المال السهل، تماما كمن يدمن الميسر. 
حينها يكمن الخطر، فترتبط التفاهة بالعنف بسبب جشع المال. هذا ما يكشفه دونو في كتابه. إذ «يحدث الجشع بالضرورة في السياقات التي لا ترتبط النقود فيها بأي نوع من الجدارة merit». فهي «ليست مرتبطة بأي عمل أو بأيّ إنجاز» وفي هذه اللحظة «ينفلت العنف من عقاله، لتثير النقود أحط أنواع الشغف: الغيرة، الكراهية، العدوان، السخط، الخوف والطمع». 

في عيونهم: كراهية وعدوان
هذه المشاعر السلبية، للكراهية والعدوان، إنّما تذكرنا بعيون المتهمين بالإنتماء لعصابة التيكتوكرز، وهي عيون تنضح بالشرّ الذي لا يكتفي بتبييض الأموال من داعميه أمثال بول المعوشي، بل أنّها تستدرج قصّرا، تنفيذا لرغبات الداعم ورغباته الإجرامية، فيغتصب التيكتوكر التافه والمجرم في آن، القصّر دون أدنى رادع.
تماما كما تغتصب المنظومة، حقوق الشعب اللبناني، فلا تشفق على ضحاياها، بل تتمادى وتتفنن بالجريمة. إذ كان يمكن مثلا بالاكتفاء بسرقة أموال الخزينة عبر الصفقات والتلزيمات بالتراضي وسرقة أموال المانحين. لكن تمادت المنظومة فطمعت بأموال المودعين.
وحتى بعد الانهيار، لم تكتفِ المنظومة بقتل فرص النهوض الاقتصادي برفض تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد، فأطاحت بالحجر والبشر في انفجار مرفأ بيروت عام 2020. وهذه جريمة قتل ليس لـ220 ضحية سقطت ذلك اليوم، بل لجيل بأكمله. وليست موجة هجرة الشباب اللبناني بعد هذا الانفجار، إلا دليلاً على أنّ الحياة نفسها قتلت في بيروت، ولن تعود قريباً.
والمنظومة هي طبقة واحدة مهما افتعلت صراعات فيما بينها. في تعريفه لجوهر كفاءة التافه، يقول دونو، «إنّه القدرة على التعرّف على شخص تافه آخر. التافهون يدعم بعضهم بعضا. فيرفع كل منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار».
وليس غريباً على بعض الإعلام الذي يدافع عن الطبقة السياسية التافهة والمجرمة في آنٍ، أن يجعل التافهين يتصدرون المشهد، ففي نظام التفاهة، التفاهة تسيطر على كل مجالات الحياة، ما يفسّر تصدر التافهين ومن بينهم تيكتكورز تمّ توقيفهم في عصابة مبيض، لبرامج إعلامية ساهمت في شهرتهم.
وقد يهرب الجمهور المتلقي من «خوارزميات» تيكتوك التي تضعه بين براثن التيكتوكرز الشياطين، لكن كيف يهرب اللبناني من براثن الحكام المتحكمين بسياسات البلاد وحياة المواطنين؟

نظام الجريمة المنظمة: السرطان يخنق بيروت

كان يمكن للتيكتوكرز الإكتفاء بعملية تبييض الأموال للداعمين (بعض هؤلاء الداعمين تجار مخدرات وأصحاب شبكات دعارة..) لكن شهية الجشع لديهم تحولت إلى عنف. والعنف، إلى جريمة منظمة. 
ويعرّف مكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والجريمة، «الجماعة الإجرامية المنظمة»، على أنّها تنظيم هيكلي يضم ثلاثة أشخاص أو أكثر، تهدف إلى ارتكاب جرائم خطيرة. وتعمل بغية تحقيق غرضها العام المتمثل في الحصول على منفعة مالية أو مادية أخرى".
إذاً، جني الأرباح هو الغرض الأساسي للجريمة المنظمة. وبعد 30 عاما على حكم المنظومة، لم تعُد تكتفي بالسرقة عبر الصفقات الرضائية، أو بسرقة منح المجتمع الدولي للبنان، إنّما باتت كأول عهدها الذي هدرت فيه دماء اللبنانيين في الحرب الأهلية، تسقط دماءهم اليوم بجرائم جديدة. 
وبعيدا عن انفجار المرفأ، وإذا ما اعتبرنا أنّ نصف الدين العام صرف على قطاع الكهرباء، واستجرار بواخر الطاقة ضمن خطة باسيل للكهرباء 24/24، ضمن خانة الفساد. فإننا نسأل: في أي خانة يمكننا وضع الدراسة الأخيرة للجامعة الأميركية في بيروت، التي كشفت عن أنّ تلوث الهواء في العاصمة بسبب الاعتماد على مولدات الديزل الأعوام الخمسة الفائتة تسبّب بزيادة نسبة السرطان فيها 30 بالمئة؟ 
وهل من يحاسب على هذه الجريمة؟ التي تتبعها جرائم تعمقها بطبيعة الحال، كانقطاع أدوية السرطان من الأسواق، وطبعا خلف هذه الجرائم ذات المنفعة المالية، أرواح ضحايا تسقط، ونظام جريمة منظمة لا يشبع من رائحة الموت. 
ومن سمات الجماعات الإجرامية المنظمة، العمل خارج الحدود، هكذا اغتنى حزب الله واقتصاده الموازي من خلال القرض الحسن واقتصاد الكبتاغون العابر للحدود. أما اللبنانيون فباتوا إما فقراء أو تحت خط الفقر. 

الداعمون: من باريس إلى سيدر
يتبارز التيكتوكرز على الداعمين لأنّهم مصدر مال واستمرارية لهم. فتراهم ينبطحون لهم، ولمتطلباتهم، وأولها المشاركة في عمليات تبييض الأموال التي يثرونهم بها، وقد تصل إلى التحفيز لارتكاب الجريمة ضمن عصابات منظمة: اغتصاب قصّر، مخدرات، دعارة. تماما كما حرّض بول المعوشي جيجي غنوي وغيرها على التورط بعصابة اغتصاب الأطفال.
تعيش المنظومة الحاكمة أو «التيكتوكر الأكثر إجراما في لبنان»، على فكرة الدعم والداعمين.  من مؤتمر باريس 1 إلى باريس 2 إلى باريس 3 وصولاً إلى مؤتمر سيدر، الذي لم يكتب لأمواله الصرف، تشحذ المنظومة المال باسم اللبنانيين لتسرقه بعد حين. 
والمنظومة اليوم في حالة قصاص، شأنها شأن التيكتوكر الذي لا ينفذ أوامر داعميه، أو يخلف بوعده لهم، فيهددونه بقطع المال عنه. ما يجعل لغة الإبتزاز متبادلة بين الطرفين.
تبتز المنظومة المجتمع الدولي بعدم تنفيذها الشروط الإصلاحية منذ ما بعد الإنهيار، لتساوم على ملفات مصيرية، وتتنصل من المحاسبة في آنٍ. وأبرز الملفات التي ساومت المنظومة المجتمع الدولي عليها لإبقائها في السلطة كانت التخلي عن حصة لبنان بحقل كاريِش.
أما اليوم، فورقة النازحين السوريين هي الأقوى، فبعد تحريضها عليهم واستغلالها لأزمة النزوج أشدّ استغلال، ظهر رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ليعلن الصفقة الرشوة بقيمة مليار يورو من الاتحاد الأوروبيّ، يبقي فيها لبنان على النازحين، لسنوات، ويذهب المواطن اللبناني في هجرة موسمية لأوروبا.
النخبة تستعيد الوطن
للتيكتوكرز «زقيفة» يصفقون لهم ويشاهدون الجريمة، وكذلك للمنظومة زقيفتها. ولعل أكثر تفاهة وجريمة يصفق لها في لبنان، هي الطائفية اللعينة. 
إبان جريمة احتراق الأحراج في لبنان عام 2019، التي ساهم بها عدم توقيع الرئيس السابق ميشال عون مرسوم تعيين حراس الأحراج بحجة التوازن الطائفي، وتعطل طائرات السيكورسكي لإطفاء الحرائق، لعدم صيانتها، خرج علينا النائب السابق ماريو عون، بنظرية الشجر الذي احترق في المناطق المسيحية، خالقا للشجر في لبنان هوية طائفية، فحتى الشجر لم يسلم في لبنان من حكم التفاهة والتافهين. 
السلطة التافهة، بخطابها الطائفي إنما تخفي وراءها جرائم، ليست آخرهم رشوة المليار يورو، فتراها تحرك الشارع ضد «سكتش» لشادن. ومن أجدر من المؤسسات الدينية في لبنان من تنفيذ أجندة الإلهاء هذه؟
وإذا كانت خوارزمياتك بعيدة عن التيكتوكرز التافهين، فأنت بأمان من نظام التفاهة على تيكتوك، لكنك لست بمنأى من الجريمة المنظمة على يد المنظومة. 
يقول آلان دونو، في نصيحته للتخلص من نظام التفاهة «إنّه دورنا كي نقوم بتغيير النظام الراسخ تغييراً جذرياً، منذ الآن، نحن القوة المخربة، علينا ان نقوم بقطيعة جمعية مع هذه الأشكال الرهيبة حتى نستطيع توليد أشكال جديدة أخرى».
والسؤال: أما حان الوقت لتسيّد النخبة في لبنان مكان التفاهة؟ كل المجالات التي لوثتها التفاهة؟ إذ يبدو أنّ «القطيعة الجمعية» غير كافية. فالمطلوب هو حشد النخبة الكفوءة في كل ساحات المعركة: السياسية، الأكاديمية، النقابية، الإعلامية والفنية...
أما الكفاءة هنا لا يقصد بها «تكنوقراط»يحلون مكان «التافهين»، بل نخبة تسخّر كفاءتها للمصلحة الوطنية، إذا ما أردنا استرداد لبنان من براثن المنظومة وفعل السقوط.