المعهد الوطني للموسيقى.. نهوض إقتصاد الموسيقى في وجه الحرب والأزمة
المعهد الوطني للموسيقى.. نهوض إقتصاد الموسيقى في وجه الحرب والأزمة
في مبنى متواضع في سن الفيل، مؤسسة عامة تعكس ثقافة البلاد الفنية. المعهد العالي للموسيقى الذي أسسه وديع صبرا عام 1925، نجا من الاقفال بفعل تداعيات الأزمة من جهة، ومن تواطؤ كارهي الدولة من جهة أخرى.
في حزيران 2022، عيّنت الدكتورة هبة القواس، رئيسة لمجلس الإدارة ومديرة عامة للمعهد، لتبدأ مهمة إستنهاض المعهد من أزمته.
تسلمت القواس إدارة المعهد بعد استقالة المدير السابق وليد مسلّم، في ظلّ الأزمة الإقتصادية وخطر الإقفال الذي كان يهدّد المؤسسة. عينها الوزير محمد مرتضى دون طرح الفكرة عليها، وعلمت بالخبر من وسائل الإعلام، ذلك في حزيران 2022. عند تسلمها مهامها، صدمت من غياب أدنى مقومات العمل في المعهد، من غياب المياه والورق والحبر، والأسوأ غياب الأساتذة، وقلة التزام عدد من الإداريين بوظيفتهم.
في مقابلة مع «بيروت تايم» تروي قواس تجربتها في إدارة المؤسسة. بعد اندلاع الإنتفاضة وجائحة كورونا في تشرين الأول 2019، أقفلت المؤسسة، وتحوّل التعليم نحو التعليم «اونلاين»، إما عبر واتساب أو تطبيقات أخرى، لغياب موقع متخصّص بالتعليم تابع للمعهد، ترافق ذلك بعدم انضباط لناحية ساعات التعليم والآلية. على إثره توقفت الأوركسترات كما التمارين، وعاد الموسيقيون الأجانب إلى بلادهم.
المعهد العالي هو معهد جامعي، ويبدأ بتعليم الموسيقى من المرحلة الإبتدائية إلى المرحلة الجامعية، وبعد عام سيبدأ بإصدار شهادات الدكتوراه. وهو أكبر مؤسسة تعليم موسيقية في لبنان، والمؤسسة الرسمية الوحيدة، وهي مرجع معادلات الشهادات. كما يضم المعهد الاوركسترا الوطنية، والفلهارمونية والشرق عربية، وأوركسترات الطلاب والشباب. يضم اليوم 265 أستاذاً، يتابعون 4200 تلميذاً.
الخطوة الأولى لإعادة العمل في المعهد، تبدأ بتأمين المال، لتسيير شؤون المؤسسة، وبين عاميّ 2022 و2023، صدر 35 مرسوم مالي لصالح المعهد، إلى جانب مشروع قانون، إضافة إلى تمويل من مؤسسات وأفراد. كما تمّ العمل على شراكة بين المعهد، ومستشفى بعبدا الحكومي، إذ أنّ انهيار الضمان الإجتماعي أدى إلى حرمان الأساتذة من التغطية الصحية. هذا التعاون خلق صندوق لتغطية العاملين والأساتذة وأسرهم بنسبة 100 في المئة، ضمن برنامج «الموسيقى تشفي». حيث حوّل موقف السيارات التابع للمستشفى إلى مسرحٍ كبير، أقيمت فيه حفلة لتأسيس الصندوق.
لاحقاً قدمت القواس سلسلة رواتب جديدة إلى الحكومة في تموز 2022، وأدخلت الزيادات على الرواتب ضمن أصل الراتب تحتسب في التعويضات، ولم تُقرّ على أنّها مساعدات إجتماعية، كما يحصل في جميع تصحيحات الرواتب التي تطال رواتب القطاع العام والخاص. بدأ العمل في السلسلة في كانون الثاني 2023، ليعود التعليم الحضوري في كل فروع المعهد في لبنان ابتداءاً من تشرين الأول 2023، لـ 300 أستاذ و4000 طالب.
تمكنت القواس من الحصول على سلسلة دون باقي موظفي القطاع العام، لأنّ المعهد العالي للموسيقى هو مؤسسة عامة تتمتع باستقلالية وغير تابعة لأي وزارة، ويعطيها القانون 431، حرية إضافية عن المؤسسات العامة، ولا تخضع لأحكام وقوانين المؤسسات العامة، وتخضع لوصاية وزير الثقافة، ورئاسة مجلس الإدارة والمديرة العامة، وهذا ما يساعد على الحركة والعمل لأنّها تتمتع بصلاحيات السلطة التنفيذية والتشريعية في المؤسسة.
نجاح القواس في مهمتها لم يكن سهلاً، وتشرح كيف جالت على المسؤولين، في الليل والنهار، لتحصل على التواقيع المطلوبة في 48 ساعة كحدٍ أقصى، ولإقناع الجميع بالإستراتيجية والأهداف، وقد نالت تجاوباً من المعنيين، خاصة وأنّ الاستثمار في المعهد له أبعاد إقتصادية، ذلك أنّ إقتصاد المعرفة سيكون هو الأساس في السنوات العشر المقبلة، وأحد أكبر قطاعاته هو صناعة الموسيقى، ويجب العمل وتأمين البنى التحتية وبيئة حاضنة لاقتصاد الموسيقى من الآن، وهذا يبدأ من التعليم في المدارس، والمعاهد والمناهج الجديدة، وإعتماد معايير جديدة للشهادات، وشركات إنتاج، ذلك في ظلّ غياب دور أوبرا وقاعات حفلات، كما هناك حاجة إلى الوكالات وآليات البث.
وتسعى إدارة المعهد العمل على مناهج جديدة، بهدف الإحاطة بصناعة الموسيقى، وليس فقط تعلم العزف على آلة، كما يُعمل على إدخال تخصصات فنية جديدة مثل تكنولوجيا الموسيقى وعلم الصوتيات وإدارة الموسيقى والعلاج النفسي بالموسيقى، ورقص الباليه والرقص المعاصر، وعلم الموسيقى وعلم موسيقى الشعوب، والنقد الموسيقي.
عند الحديث عن إقتصاد الموسيقى، يعني بدرجةٍ أساسية تكنولوجيا الموسيقى، حيث يمكن السيطرة على عالم الموسيقى من خلال تطبيق، تقول القواس، وهذا يحتاج إلى الإستثمار بمليارات الدولارات، لتعود بالربح على الإقتصاد. وفي التماس بسيط لاثر الموسيقى على الاقتصاد، بحسب معهد «باسل فليحان»، تعتبر الموسيقى ثاني أكبر قطاع موفّر لفرص العمل في لبنان، حيث أمن القطاع 100 ألف فرصة عمل مصرّح عنها.
لا تعتبر القواس أنّ الأزمة والحرب عوائق لوقف العمل في المعهد، وتقول «الموسيقى تبقى نشطة وتنهض حتى خلال الحروب والأزمات، لأنّها تهدف إلى السيطرة، والثقافة والموسيقى أحد أدوات السيطرة»، وتسعى لبناء مؤسسة صلبة، رغم إستشعارها الخوف من قوة مؤسسات الدولة.
كما أنّ خطة هناك لتطبيق الحوكمة في المعهد، إذ أنّ المؤسسة تُسرق بشكل يوميٍ، وتوضح «ينتقل طلاب المعهد إلى مؤسسات أخرى بعد أن تعلموا لعشر سنوات على حساب الدولة، إذ كل طالب يكلّف الدولة حوالي الـ 200 الف دولار، قبل الأزمة كان يدفع الطالب 200 دولار في السنة، والآن يبدأ بـ 100 دولار لتصل إلى 300 دولار، هذا الإستثمار لا تستفيد منه الدولة في المقابل». وتشرح أنّه بعد تخرّج الطلاب يذهبون إلى أوروبا، ويصبحون مكسباً لها فكرياً وثقافياً، وموسيقيون آخرون يتجهون نحو الموسيقى التجارية. ومن هنا بدأ العمل على استعادة الموسيقيين اللبنانيين من العالم، حتى ولو كان عملهم بين لبنان والخارج. وتضيف«لكن الأخطر هو عملهم باسم مؤسسات أخرى تعليمية وغير تعليمية، رغم وجود قانون المعهد الصادر عام 1925، الذي يمنع عزف الطالب خارج المعهد دون إستحصاله على إذن مسبق، وفي العادة الدول عندما تنفق على الطالب، تفرض عليه توقيع عقد، ويضع المعهد اليوم شرط على من يريد فقط دفع رسم التسجيل، إذ عليه التوقيع على عقد، حول آلية عزفه خارج المعهد».
بسبب الإنهيار الاقتصادي، أعطي إستثناء للأساتذة والموسيقيين بالعمل خارج المعهد، لكن لا يمكن الإستمرار بهذا الإستثناء، بعد أن تم ّتصحيح الأجور، حيث بات معدل رواتب الأساتذة 600 دولار، فيما رواتب العازفين تبدأ بـ 1500 دولار لتصل إلى 3400 دولار، إلى جانب التساوي في الرواتب بين العازفين اللبنانيين والأجانب. وقد أوقفنا فوضى التعليم، حيث كان بعض الأساتذة يطلبون تعليم 36 ساعة، فيما يقومون بالتعليم خارج المعهد ويتقاضون الأجر من مكانين، وأكدت أنّه لا عمل دون أجر ولا أجر دون عمل، وسيسمح للتعليم خارج المعهد مع إذن بعد التصريح عن عدد ساعات التعليم كي لا يتضارب مع المؤسسة.
هذه الخطوات أدت إلى إكتمال الفرقة الفلهارمونية، التي أعيد إطلاقها من المتحف الوطني في تشرين الثاني 2023، وفي شباط 2024 أعيد إطلاق الفرقة الشرق عربية. ذلك رغم عدم عودة جميع الموسيقيين الأجانب، بفعل الحرب الإسرائيلية على الجنوب عودتهم.
أولوية القواس اليوم هي تحسين وضع الأساتذة، خاصة لناحية الأجور، للوصول الى مكان يستحقونه، وكانت رسالتها واضحة للمسؤولين: الموسيقيون اللبنانيون نادرون، من ناحية الموهبة والتخصّص والحاصلون على درجات مرتفعة من بروفيسور هم من القلة، ولا تريدهم أن يهاجروا، فالموسيقي المتخصص هو الفئة النادرة في لبنان. كما يجري العمل ايضاً على قانون داخلي للمعهد، وتصدير خدمات المعهد إلى الخارج.

