تحت المطر.. لبنان يستقبل البابا والأمل
تحت المطر.. لبنان يستقبل البابا والأمل
غداً، ستمتلئ الساحات والطرقات بالناس. كأّنّهم يعلنون نوعاً من الإيمان البسيط، بأنّ البركة لا تُخشى، مهما كان شكلها.
ينزل البابا لاوون الرابع عشر على عتبة لبنان غداً، لا كزائر رسمي فحسب، بل كضيف سيرش الأمل بين الأرض والسماء، تماماً كما يفعل المطر حين يهبط بلا إستئذان. تأتي زيارته بعد محطة في تركيا، كأنّه يتتبع خطاً رفيعاً من الشرق الروحي، ويصل إلى بيروت في لحظة تتكثف فيها الأسئلة أكثر مما تتكثف الغيوم.
والملفت أنّ الغد سيكون يوماً ممطراً، كأنّ السماء قررت أن تشارك اللبنانيين إستقبالهم، وأن تضع فوق رؤوس الواقفين في الساحات إمتحاناً بسيطاً ولكنه عميق، هل تُستقبل البركة ولو أتت مبتلة؟ وهل يُحتفل بالأمل ولو جاء تحت العاصفة؟
المطر الذي سيغسل شوارع لبنان لن يكون مجرد طقس. سيكون إستعارة كبرى لبلد غسله الزمن أكثر من مرة، لكنه لم يجف يوماً. المطر هنا ليس حدثاً مناخياً، بل نوع من الاعتراف الكوني بأن الإنسان صغير بما يكفي لتبلله الماء، وكبير بما يكفي ليقف تحته دون أن ينحني. وحين يصل البابا تحت مطر العاصمة، ستلتقي لحظة سماوية بأخرى أرضية، وتنتج تلك المفارقة التي طالما شكّلت هوية لبنان، بلد يبحث عن ذاته في قلب العاصفة، ويجد في الفوضى المنظمة نوعاً من الهدوء الخاص.
غداً، ستمتلئ الساحات والطرقات بالناس. سيحمل بعضهم مظلات، وسيترك آخرون رؤوسهم مكشوفة للمطر، كأّنّهم يعلنون نوعاً من الإيمان البسيط، بأنّ البركة لا تُخشى، مهما كان شكلها. سيقف الأطفال على الأرصفة، النساء تحت الشرفات، الشيوخ بجانب الجدران القديمة، وكلهم سينظرون إلى الطريق الذي سيمر منه موكب البابا. ولكن خلف هذا المشهد الشعبي هناك ما هو أعمق، رغبة جماعية في التقاط لحظة إستثنائية، كأنّها فرصة لالتقاط الأنفاس في بلد اعتاد أن يركض داخل دوامة لا تنتهي.
والمطر، في كل هذا، ليس عائقاً للزيارة بل جزء منها. فالماء الذي سيسقط على البيوت المتعبة يشبه الكلمات التي سيقولها البابا. كلاهما قد لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه سيترك أثره في التربة، وفي الذاكرة، وفي القلب، وفي تلك الزاوية الصغيرة التي يسكنها الأمل حين يضيق كل شيء.
المشهد غداً سيتجاوز السياسة والدين. سيُشاهد الناس رجلاً يرتدي الأبيض يمشي تحت سماء رمادية، وسيشعرون، ربما من دون أن يعترفوا، أنّ هذه الصورة تلخص شيئاً عميقاً عن الحياة نفسها. فالمطر، مثل الإيمان، ليس سؤالاً عن الطقس بل سؤال عن المعنى. يأتي حين يريد، ويذهب حين يريد، ويذكّر الإنسان بأنّه «من التراب وإلى التراب يعود»، وبأنّ السيطرة وهم، والتكبر رذيلة، والتواضع فضيلة، وأنّ الطريق إلى الإيمان يبدأ من لحظة هشاشة بسيطة، قطرة ماء على الجبين، وابتسامة عابرة في وجه الغيم.
بيروت ستستقبله كما تفعل دائماً. بعناد وإصرار على الفرح ولو انكسرت المظلات، وبقدرة عجيبة على تحويل العابر إلى حدث، والحدث إلى ذاكرة، والذاكرة إلى قصة تعيد روايتها كلما اشتد الليل. غداً، حين يرفع الناس رؤوسهم نحو السماء الماطرة، سيشعرون بأنّ الزيارة ليست مجرد خطوة بروتوكولية، بل لحظة وجودية تذكرهم بأنّ الخلاص لا يأتي دائماً على هيئة معجزة، بل قد يأتي على هيئة حضور بسيط، في يوم ماطر، لرجل يسير تحت المطر ولا يخشاه.
وهكذا، سيكون البابا تحت مطر لبنان ليس ضيفاً على بلد فقط، بل شاهداً على روحه. روح لا تخاف البلل، ولا تهرب من الغيوم، ولا تتراجع أمام الريح والخطر. روح تعيش على الحد بين الألم والسؤال، وتعرف أنّ المطر، مهما بدا بارداً أو ثقيلاً، يحمل دائماً شيئاً يشبه بداية جديدة.
وفي هذا البلد الذي اعتاد أن ينتظر الضوء خلف كل عاصفة، قد يشكّل الغد لحظة حقيقة صغيرة، بأنّ المطر ليس تهديداً، وأنّ الزيارة ليست صدفة، وأنّ لبنان، رغم كل شيء، ما زال يعرف كيف يفتح قلبه ويرفع جبينه، حتى لو كان الغيم ملبداً فوق رأسه.

