عام 2026.. بين حرارة قياسية وفيضانات متكررة ماذا ينتظرنا؟
عام 2026.. بين حرارة قياسية وفيضانات متكررة ماذا ينتظرنا؟
لم تعد الكوارث الطبيعية مجرد إحصاءات، بل حقائق يومية، تترك آثارًا بشرية وإقتصادية وبيئية لا يمكن تجاهلها
بينما نبدأ عام 2026، يبدو أنّ المستقبل الذي حذرنا منه العلماء منذ عقود قد أصبح حاضرنا. عام 2025 سجّل سلسلة غير مسبوقة من الأحداث المناخية القصوى، من حرائق غابات وفيضانات وجفاف، إلى موجات حرّ شديدة وبرودة مبكرة. هذه الأحداث لم تعد مجرد «ظواهر طبيعية»، بل هي بصمات واضحة لتأثير الإنسان على المناخ، كما وثقتها الدراسات العلمية الحديثة. لم تعد الكوارث مجرد إحصاءات بعيدة، بل حقائق تعيشها المجتمعات يوميًا، تترك آثارًا بشرية وإقتصادية وبيئية لا يمكن تجاهلها.
الكوارث المناخية في 2025: ما بين الطبيعة والتأثير البشري
التي تأسست عام 2014 World Weather Attribution (WWA)شبكة
على يد باحثين هولنديين وبريطانيين، درست حوالي ثلاثين كارثة كبرى وقعت في 2025 وحددت أي منها تفاقم بفعل الاحتباس الحراري. ووفقاً لتقريرها السنوي، فإنّ عام 2025 سيكون ثاني أو ثالث أكثر الأعوام حرارة منذ بدء القياسات، رغم تأثير ظاهرة لا نينيا (وهي ظاهرة مناخية حيث تنخفض حرارة سطح مياه المحيط الهادىء ما يؤدي إلى برودة أكثر من المعتاد وجفاف أو أمطار زائدة ما يؤثر على أنماط الطقس مثل زيادة الأعاصير.)
من بين الأحداث الـ28 التي ركزت عليها الشبكة، تبيّن أنّ 22 حدثًا تفاقمت أو أصبحت أكثر احتمالًا بفعل تركيزات غازات الدفيئة. تشمل هذه الكوارث حرائق لوس أنجلوس في كانون الثاني التي أودت بحياة نحو 400 شخص وألحقت أضرارًا تجاوزت 30 مليار دولار، وفيضانات باكستان في آب التي تسبّبت بأكثر من 800 وفاة وأجبرت عشرات الآلاف على النزوح. إنّ أكثر من نصف هذه الأحداث كانت موجات حرّ شملت جميع القارات، من غرينلاند حيث سجلت حرارة 20 درجة مئوية في حزيران، إلى أستراليا التي شهدت ارتفاعًا قياسيًا في درجات الحرارة.
التراجع السياسي وتأثيره على المجتمعات
تتقاطع هذه الحقائق العلمية مع الواقع السياسي العالمي. في الولايات المتحدة، شهدت عودة للشكوكية المناخية المؤسسية، مع إضعاف الوكالات العلمية، وهجمات على البيانات المناخية، وتخفيف أو إلغاء قوانين بيئية مهمة. هذا التراجع السياسي يرسل رسالة خطيرة، عندما تكذب القوة العالمية الأولى على العلم، فإنّها تمنح غطاءً للآخرين للتراجع عن العمل أو تأجيله.
أما كندا فليست بمنأى عن هذه الدينامية. تحت ستار «الواقعية الاقتصادية» أو «إرهاق المناخ»، لقد تم رصد تأجيل الأهداف المناخية، وإضعاف الآليات القانونية، وتحويل مسار الأموال المخصصة للعمل المناخي، وتهميش العلم في صنع القرار السياسي. هذا التراجع التدريجي يخلق فجوة بين الطموحات المعلنة والواقع الفعلي، ما يجعل تأثيراته المباشرة على البشر والبيئة والاقتصاد أكثر وضوحًا.
العواقب البشرية تشمل ارتفاع الوفيات خلال موجات الحر، تدهور الصحة النفسية بعد الكوارث، وانعدام الأمن الغذائي، فضلاً عن النزوح القسري، وفقدان الإحساس بالأمان. البيئة تتعرض للتدهور مع فقدان التنوع الحيوي وتآكل النظم الإيكولوجية. من الناحية المالية، أصبحت تكلفة إعادة بناء البنى التحتية وتفجير تكاليف التأمين ونقص الإنتاجية ونفقات التكيف العامة ضخمة جدًا، مقارنة بما كانت ستكلفه الوقاية المبكرة.
الأمل يكمن على المستوى المحلي
في الوقت الذي تتباطأ فيه السياسات الوطنية، يظل المستوى المحلي والأقليمي يشكل أملًا حقيقيًا. من جانب البلديات، والحكومات الأصلية، المنظمات المجتمعية، والجامعات، وكراسي البحث، والمواطنون النشطون يمثلون آخر الحصون للعمل المناخي. هنا، حيث تتقاطع المعرفة العلمية مع التجربة الحية، تُتخذ الإجراءات بشكل مباشر وملموس، ولا يمكن تأجيل القرارات دون أن تترتب عليها عواقب فورية.
مع ذلك، التحدي هائل. مواجهة الكوارث المناخية تتطلب تحولًا جذريًا في السلوكيات الفردية والمجتمعية، بما في ذلك تبني أنماط حياة مستدامة، إعادة النظر في الإستهلاك والطاقة، وإعادة هيكلة الاقتصاد بما يراعي حدود الكوكب. وفق قياسات WWA، أصبح «يوم تجاوز الأرض»
إنّ البيانات العلمية تثبت أنّ كل ارتفاع في درجة الحرارة، وكل موجة حرّ أو فيضان أو جفاف ليس مجرد حدث طبيعي، بل انعكاس لتراكم النشاط البشري، وخصوصًا انبعاثات غازات الدفيئة الناتجة عن الصناعة والطاقة والنقل. تجاهل هذه الحقيقة هو مساهمة في تفاقم الكوارث المتوقعة، بينما العمل المحلي والوعي العلمي يمكن أن يكون آخر جدار واقٍ قبل فوات الأوان.
مع دخولنا عام 2026، يبدو أنّ الأرض لم تعد تتحمل التأجيل أو التراجع في مواجهة التغير المناخي. الأحداث المناخية المتطرفة أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، من حرائق الغابات المدمرة، إلى الفيضانات العنيفة، وموجات الحرّ والجفاف المتكررة. هذه الكوارث ليست مجرد أرقام أو تقارير علمية، بل واقع ملموس يترك آثارًا مباشرة على المجتمعات والاقتصاد والبيئة.
إذا استمرت السياسات الوطنية في التردد أو التراجع، فإنّ التكلفة البشرية والاقتصادية ستتفاقم بلا شك. الحل يبدأ بالوعي العلمي والعمل المحلي، ثم يمتد ليشمل تحولات جذرية في السياسات والممارسات الفردية والمجتمعية. المستقبل، حتى لو بدا قاتمًا، لا يزال قابلًا للتغيير إذا تحركنا الآن.
- References
- Foucart, Stéphane. Climat en 2025 : une succession d’événements extrêmes marqués par l’empreinte du réchauffement. Le Monde, 30 December 2025.
- l’année du « retour vers le futur » climatique. Le Devoir, Idées, 2025.
- World Weather Attribution. Annual Report 2025. WWA Network, 2025. https://www.worldweatherattribution.org

