سقوط فنزويلا: حين يُضرب محور المقاومة من الخلف
سقوط فنزويلا: حين يُضرب محور المقاومة من الخلف
فنزويلا كانت غرفة عمليات مالية لمحور كامل يعمل في الظل، حيث النفط والمخدرات وشبكات التهريب تؤمّن اقتصاد «المقاومة» خارج العقوبات. العملية الحاسمة صُممت لإنهاء وظيفة دولة، لا لمعاقبة سلطة.
أهمية فنزويلا لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي، بل في دورها داخل محور «المقاومة». خلال السنوات الماضية، شكّلت كاراكاس القلب الإقتصادي لهذا المحور، ومركزاً حيوياً لتمويله عبر النفط، تجارة المخدرات، وشبكات تهريب معقّدة امتدت من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط. فنزويلا كانت منصة خلفية لإيران وحلفائها، وممراً أساسياً لدعم حزب الله بعيداً عن ساحات الرقابة التقليدية.
بسقوط فنزويلا، لا يسقط نظام فقط، بل يُضرب العمق المالي واللوجستي لمحور كامل. إخراج هذا المركز من المعادلة يعني قطع شريان حيوي كان يؤمّن الاستمرارية الاقتصادية والسياسية لهذا المحور. من دون فنزويلا، يفقد هذا التحالف نقطة ارتكاز أساسية، ويصبح أكثر هشاشة وأكثر عرضة للعزل والضغط.
لم يكن ما جرى في فنزويلا عملية عسكرية تقليدية، ولا حرباً مفتوحة، بل نموذجاً كاملاً لكيفية فرض الإرادة السياسية بالقوة الحاسمة. الولايات المتحدة نفّذت هجوماً مركّباً جمع بين ضربات جوية دقيقة، إنزالات بالمروحيات، وعملية عسكرية خاصة انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، حيث سيقضيان ما تبقى من حياتهما في السجن. في ساعات قليلة، سقط نظام استمر نحو 13 عاماً، من دون جيوش جرّارة ولا جبهات مفتوحة.
بهذا الحدث، ثبّتت واشنطن مرة جديدة أنّها القوة العظمى الوحيدة القادرة على تنفيذ عمليات عابرة للقارات، وحسم مصير أنظمة كاملة بضربة واحدة. ما جرى ليس استعراض قوة، بل رسالة سياسية مباشرة: من يملك القدرة على الوصول إلى رأس النظام، لا يحتاج إلى إدارة صراع طويل.
المقارنة مع النموذج الروسي تفرض نفسها تلقائياً. موسكو أعلنت «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، لكنها غرقت في حرب استنزاف مفتوحة بلا حسم سياسي. في المقابل، ما نفذته الولايات المتحدة في فنزويلا يقدّم التعريف الفعلي لمعنى العملية الخاصة: هدف واضح، زمن قصير، نتيجة نهائية. لا احتلال، لا إدارة فوضى، بل إنهاء مباشر لمركز القرار.
الرسالة الأوسع تتجاوز فنزويلا ومحورها. ما جرى يعيد تثبيت حقيقة حاول كثيرون تجاهلها: الولايات المتحدة ما زالت القوة الوحيدة القادرة على فرض الوقائع بالقوة الصلبة متى قررت ذلك. الحديث عن عالم متعدد الأقطاب يبقى خطاباً نظرياً عندما يُختبر على أرض الواقع.
التاريخ لا يُكتب بالشعارات ولا بالبيانات، بل بالقدرة على التنفيذ. وفنزويلا، بما مثّلته وما انتهت إليه، أصبحت مثالاً صارخاً على كيف تُدار الهيمنة عندما تكون القوة حقيقية، وكيف تُنفَّذ «العمليات الخاصة» عندما يكون الهدف هو الحسم، لا الاستنزاف.

