بين التعرّي الجسدي والتعرّي الأخلاقي في لبنان!!!!!

بين التعرّي الجسدي والتعرّي الأخلاقي في لبنان!!!!!

  • ٠٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • انطونيو الهاشم -نقيب المحامين سابقاً

الجسد العاري يُحاكم لأنّه بلا قوة، بينما العري الأخلاقي يُكافأ لأنّه متجذّر في بنية السلطة.

في بلدي، لا تُقاس الفضيحة بحجم الجريمة، بل بنوعها. جسد عار قادر على تحريك القضاء، واستنفار الإعلام، وإشعال المنابر الأخلاقية، بينما وطن منهوك، منهوب حتى العظم، لا يفلح في إيقاظ ضمير واحد في مؤسسات الدولة. كأنّ العُري الحقيقي ليس ما يُرى بالعين، بل ما اعتدنا عليه حتى فقدنا القدرة على الإحساس به.

التعرّي الجسدي، مهما اختلفنا حوله، فعل فردي، محدود الأثر. يجب إدانته أخلاقيًا، قانونيًا واجتماعيًا. ويقتضي محاسبته ضمن الأطر الواضحة التي تحمي الذوق العام والنظام العام والآداب العامة. لكن المفارقة القاتلة أنّ هذا الفعل الصغير نسبيًا استطاع أن يفعل ما لم تفعله أكبر الجرائم، حرّك القضاء، استنفر الأجهزة، وتحوّل إلى قضية رأي عام.

أما التعرّي الأخلاقي، فهو الفضيحة المستدامة. هو أن تُنهب الاموال على مرأى من الجميع، أن تُسرق من الناس بلا خجل، أن يُترك المواطن عاريًا من حقوقه، من كرامته، من أبسط مقومات العيش، هذا هو العري الذي لا يستدعي التحرك ولا الملاحقات!!!!!!

في لبنان، الجسد يُدان بسرعة لأنّه ضعيف، مكشوف، بلا حماية. أما الفاسد، فهو مكسوّ بالحصانات، متستر بالطوائف، محاط بالحماية. الجسد العاري يُحاكم لأنّه بلا قوة، بينما العري الأخلاقي يُكافأ لأنّه متجذّر في بنية السلطة.

أيّ مجتمع هذا الذي يثور على جسد مكشوف، ويساوم على وطن مسلوب؟
أيّ قيم هذه التي ترى في مشهد فردي تهديدًا للمجتمع، ولا ترى في انهيار دولة جريمة تستحق المحاسبة؟
لسنا هنا في معرض الدفاع عن التعري الجسدي ابداً ولا تبريره. الإدانة واجبة حين يُخرق القانون. لكن العدالة، إن لم تكن عمياء حقًا، يجب أن ترى الصورة كاملة. يجب أن تميّز بين خطيئة عابرة وجريمة منهجية، بين فعل صادم وفعل مدمّر، بين جسدٍ كُشف للحظة، وضميرٍ تعرّى منذ عقود.

مشكلة لبنان اليوم ليست في  ما يُكشف من أجساد، بل في ما انكشف من وجوه، وجوه بلا حياء، بلا محاسبة، بلا خجل.

التعرّي الجسدي يجرح العين، نعم. لكن التعرّي الأخلاقي يقتل الوطن.