«أبو عمر»… مرآة السياسة المنهارة

«أبو عمر»… مرآة السياسة المنهارة

  • ٠٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • انطونيو الهاشم -نقيب المحامين سابقاً

أبو عمر» عرض جانبي لمرحلة انحطاط. ما جرى ليس فضيحة فرد، بل فضيحة طبقة هجرت الدولة، وتحوّلت إلى قطيع يزحف على ركبتيه نحو الخارج، بحثًا عن «تبنٍ سياسي»

لم يكن «أبو عمر» زلّة لسان، ولا حادثة طريفة تصلح للتندر في المجالس. كان مرآةً فاضحة. مرآةً عكست وجه الانهيار اللبناني، حيث تتحوّل الأوهام إلى رأسمال سياسي، ويُستبدل مفهوم الدولة بتسويق رخيص ، يُعرض فيه الطموح اللبناني على موائد السفارات.

في لبنان المنهك، لا يولد «أبو عمر» من فراغ. هو نتاج فكر متخلف، حيث تُفرغ السياسة من معناها، وتُختزل الوطنية ببطاقة دعوة، أو صورة مع مسؤول أجنبي، أو وعد غامض بـ«فتح الأبواب». في هذا الزمن، لا يُسأل السياسي عمّا يملك من مشروع، بل عمّن يعرف، ومن أية دولة ينتظر الإشارة.

ما جرى ليس فضيحة فرد، بل فضيحة طبقة. طبقة هجرت الدولة، وتحوّلت إلى قطيع يزحف على ركبتيه نحو الخارج، بحثًا عن «تبنٍ سياسي». زحف لا يشبه الدبلوماسية، بل يشبه الاستجداء. لا يشبه العلاقات الدولية، بل يشبه الوقوف الطويل على أبواب ملوك ورؤوساء، بانتظار فتات شرعية مستوردة.

«أبو عمر» عرض جانبي لمرحلة انحطاط. هو سمسار أوهام، وجد جمهورًا جاهزًا للتصديق، ليصبح الكذب أكثر إقناعًا من الحقيقة. في بلد غابت فيه الدولة، يصبح أي شخص قادرًا على ادعاء النفوذ، وأي وهم قابلًا للتداول، وأي كذبة مؤهلة للتحوّل إلى «فرصة سياسية».

الافظع من الشخصية نفسها، هو المشهد المحيط بها، سياسيون، طامحون، يسلّمون عقولهم لأي مدّعٍ يَعِدهم بعبور مختصر إلى السلطة. لا برامج، لا رؤية، لامشروع، فقط لهاث محموم خلف دعم خارجي.

في هذا المشهد، لم يعد السياسي ممثلًا للناس، بل وسيطًا عند الخارج. ولم تعد السيادة قيمة، بل شعارًا موسميًا يُستحضر عند الحاجة، ويُرمى جانبًا عند أول إغراء. هكذا لبنان، ساحة لا دولة، وملف لا وطن.

«أبو عمر» ليس الخطر الحقيقي. الخطر هو  الانكشاف الأخلاقي الذي يجعل من الكذب سلعة، ومن التبعية طريقًا، ومن الخارج مرجعية أخيرة. الخطر هو أن يصبح الوصول إلى الدولة مشروطًا برضا العواصم، لا بثقة الناس.

حين تغيب الدولة، يكثر البصّارون، نعم. لكن الأخطر أن يكثر الزبائن. وحين تنهار المعايير، لا يعود السؤال: من هو«أبو عمر؟» بل ، كم «أبو عمر» آخر ينتظر دوره على هذا المسرح العبثي؟

إنّه زمن الزحف السياسي، زحف بلا كرامة، بلا مشروع، وبلا خجل.

وزمن كهذا، لا يصنع أوطانًا، بل يُنتج المزيد من «أبو عمر».