بيروت الثانية.. معركة بين سعد الحريري والتغييريين

بيروت الثانية.. معركة بين سعد الحريري والتغييريين

  • ٢٦ شباط ٢٠٢٦
  • ناتالي أبو حرب

يعود التغييريون إلى السباق، لكن بميزان مختلف، فالمشاركة الحريرية تعيد خلط الأوراق، وتستنهض شريحة من الناخبين كانت قد امتنعت أو توزّعت.

بيروت الثانية ليست دائرة عادية. هي الأكبر في لبنان، بـ11 مقعداً نيابياً موزعين بين 6 سنّة، 2 شيعة، مقعد درزي، مقعد أرثوذكسي وآخر إنجيلي. هذا التنوّع الطائفي يجعلها مرآة سياسية للعاصمة، وميزاناً حساساً لأي تبدّل في المزاج الشعبي. تاريخياً، شكّلت هذه الدائرة خزّان الثقل السنّي في بيروت، وكانت دائماً مؤشراً مبكراً على اتجاهات الرياح السياسية في البلاد.

 

هي دائرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والدائرة التي لطالما شكّلت رافعة أساسية لتيار المستقبل، ليس فقط من حيث عدد النواب، بل من حيث الرمزية السياسية. فمنها انطلقت معارك كبرى، وعلى أرضها رُسمت توازنات دقيقة بين قوى الثامن والرابع عشر من آذار سابقاً.

 

اليوم، تعود بيروت الثانية لتكون ساحة الإشتباك الأوضح في الإنتخابات المقبلة.  فبعد إعلان سعد الحريري المشاركة، انطلقت الماكينة الانتخابية سريعاً، وحُسمت ثلاثة أسماء تشكّل نواة اللائحة: رلى الطبش وسيف دياب عن المقعدين السنيين، ونزيه نجم عن المقعد الأرثوذكسي. هذه التشكيلة تعكس محاولة واضحة لإعادة شدّ العصب التقليدي، واستعادة القاعدة التي تشتّتت في انتخابات 2022

.

في دائرة يُقدَّر حاصلها الانتخابي بنحو 14 ألف صوت، تبدو بعض النتائج شبه محسومة؛ الثنائي حزب الله - حركة أمل يتجهان لحصد ثلاثة حواصل، ما يضمن المقعدين الشيعيين، مع ترجيح فوز المقعد الإنجيلي المدعوم من التيار الوطني الحر، إذا ما ثبت التحالف على الأرض كما تشير المعطيات.

 

في المقابل، يتحرك تحالف فؤاد مخزومي مع الأحباش باتجاه مقعدين سنيين، مستفيداً من شبكة خدماتية وحضور ثابت في بعض أحياء العاصمة. فيما يسعى تحالف نبيل بدر والجماعة الإسلامية إلى حصد مقعد سني والمنافسة على آخر، في معركة تتداخل فيها الحسابات التنظيمية مع نسب الإقتراع.

 

إنّما المعركة الفعلية ليست هنا. إنّ المواجهة الحقيقية تدور حول مقعدين سنيين، مقعد أرثوذكسي، ومقعد درزي غير محسوم، خصوصاً مع اهتزاز العلاقة بين مخزومي ووليد جنبلاط، وما يمكن أن ينعكس ذلك على توجيه الأصوات التفضيلية. هذه المقاعد كانت عام 2022 من حصة التغييريين؛ إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق وملحم خلف. يومها شكّلت نتائجهم صدمة سياسية، إذ كسرت احتكاراً دام سنوات، ورسّخت حضور خطاب معارض خارج الإصطفافات التقليدية.

 

اليوم، يعود التغييريون إلى السباق نفسه، لكن بميزان مختلف. فالمشاركة الحريرية تعيد خلط الأوراق، وتستنهض شريحة من الناخبين كانت قد امتنعت أو توزّعت. في المقابل، يراهن التغييريون على تثبيت صورتهم كقوة رقابية وتشريعية داخل البرلمان، مستندين إلى أداء السنوات الماضية.

 

الصراع لم يعد كما كان بين الحريري وسليم الحص؛ بات بشكل مباشر بين الحريري والتغييريين.

 

وبيروت الثانية أمام اختبار حقيقي. فهل تستعيد زعامتها التقليدية زمام المبادرة، أم ينجح التغييريون في تثبيت معادلة جديدة داخل العاصمة، تعكس تحوّلاً دائماً لا عابراً في المزاج البيروتي؟