نهار الأحد لزرع الرجاء لا اليأس
نهار الأحد لزرع الرجاء لا اليأس
إن صادفتم من لا يزال يؤمن بالفعل لا بالكلام فقط، لا يشرح الألم بل يحاول تغييره، لا يكتفي بوصف الواقع بل يصنع فيه فرقاً… فتمسكوا به. لأنّه، ببساطة، آخر ما تبقى من رجاء في هذا البلد.
في هذا البلد، لا يبدأ المشهد من السياسة دائماً، بل من الكنيسة. ليس لأنّ الكنيسة تحكم، بل لأنّها، تاريخياً، كانت آخر ما يلجأ إليه الناس حين يسقط كل شيء. كانت الملاذ، والمرجعية، والصوت الذي لا يكتفي بتفسير الألم، بل يمنحه معنى، ويقترح طريقاً للخروج منه.
اليوم، حتى هذا الدور تآكل.
صباح الأحد، يدخل اللبناني إلى الكنيسة مثقلاً بما يكفي من مصائب الحياة: راتب ضائع، حساب مصرفي مجمد، مستقبل معلّق بين الهجرة والانتظار. لا يبحث عن تحليل، ولا عن توصيف، بل عن كلمة واحدة تعيد ترتيب هذا الخراب الداخلي.
يبدأ الكاهن عظته عن الهجرة… تُعدَّد أسبابها بدقة: بطالة، انسداد أفق، انهيار. الفقر… يُفكك كملف: عائلات تتفكك، طبقة وسطى تختفي، شباب يضيع. الدولة… تُرثى: مؤسسات منهارة، سيادة منقوصة، أزمات بلا نهاية.
كل شيء صحيح. كل شيء نعرفه. لكن لا شيء يتغير. لا مشروع يُطرح. لا مبادرة تُبنى. لا حتى محاولة لكسر هذا الجمود. كأن المنبر تحوّل إلى نشرة أحوال، لا إلى دعوة خلاص.
وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تُطرح: متى سمعتم آخر مرة عن مشروع سكني تبنيه الكنيسة؟ متى سمعتم أن الكنيسة أنشأت شركة إنتاجية تخلق فرص عمل؟ متى تحوّل هذا الكلام عن الفقر إلى خطة، وعن الهجرة إلى بديل؟
الكنيسة، التي تملك أراضي وأوقافاً وإمكانات، تبدو كأنّها اكتفت بإدارة ما تبقى، لا ببناء ما يمكن أن يكون. حتى في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تغيرت الوقائع وتبدلت الموازين، لم تُظهر الكنيسة اندفاعة جدية لاستعادة أراضي الأوقاف التي يمكن، في هذه اللحظة بالذات، أن تتحول إلى مشاريع حياة. الفرصة موجودة… لكن الإرادة غائبة.
وهنا، لا يعود الحديث عن تقصير إداري، بل عن أزمة رؤية. الكنيسة التي كانت تقود، تبدو اليوم متعبة. الكنيسة التي كانت تبادر، تبدو اليوم حذرة حد الشلل. الكنيسة التي كانت تُلهم، صارت تشرح وتُفلسف الخراب.
وفي قلب هذا المشهد، يقف البطريرك… غائباً. ليس غياباً جسدياً، بل غياب الدور. صوت خافت في لحظة تحتاج إلى صوت مرتفع. حضور بروتوكولي في زمن يحتاج إلى قيادة.
في مراحل سابقة، كان البطريرك الماروني يُشكل نقطة توازن، مرجعية وطنية، وأحياناً رأس حربة في الدفاع عن المجتمع. اليوم، يبدو المشهد مختلفاً: خطاب عام، مواقف رمادية مرة أو إثنان كل شهر، وحذر يلامس حدود الغياب. كأنّ رأس الكنيسة يواكب الإنحدار… بدل أن يواجهه.
وهنا تتضح الصورة أكثر. ليست المشكلة في كاهن أو عظة، بل في مؤسسة بدأت تتقن الحفاظ على ما لديها، لكنها تتردد في المغامرة. تخاف الخسارة أكثر مما تطمح إلى الإنجاز. تفضّل التفسير على الفعل، والتوازن على المبادرة.
لكن المفارقة الأكبر تبقى في مكان آخر. رجال الدين يتحدثون عن الإيمان. عن القديسين. عن العجائب. عن المسيح الذي غلب الموت بالقيامة. لكنهم، في الواقع اليومي، يعجزون عن تحويل اليأس إلى رجاء.
كيف يمكن لمن يؤمن بالقيامة أن يقف عاجزاً أمام أزمة سكن؟ كيف يمكن لمن يبشّر بالرجاء أن يكتفي بتوصيف الإنهيار؟ كيف يمكن لمن يتحدث عن الخلاص ألا يقدم نموذجاً واحداً لفعل يُشبه هذا الخلاص؟
المشكلة ليست في قسوة الواقع. الواقع قاس على الجميع. المشكلة أنّ الخطاب الديني، في معظمه، استسلم له. بدل أن يكون صوتاً مغايراً، صار صدى. بدل أن يقود، صار يواكب. بدل أن يبني، صار يشرح لماذا لا يمكن البناء.
ومع ذلك، لا تزال هناك قلة. قلة من رجال الدين ترفض هذا المسار. قلة تحاول، تبادر، تخلق مساحات أمل صغيرة بين الناس. قلة تفهم أنّ الإيمان ليس خطاباً، بل فعل. لكن هذه القلة، رغم أهميتها، تبقى استثناءً في مشهد عام يغلب عليه التعب والانتظار.
وهكذا، يخرج الناس من الكنيسة كما دخلوا، لكن بشيء إضافي: يقين أنّ حتى المكان الذي كان يفترض أن ينتج الرجاء… لم يعد قادراً على ذلك. كأنّ اليأس لم يعد حالة اجتماعية فقط، بل أصبح ثقافة عامة… بل خطاباً دينياً أيضاً.
وفي بلد كثير المشاكل كبلدنا، لا يحتاج الناس إلى من يشرح لهم آلامهم. هم يعيشونها. ولا إلى من يثبت لهم أن الأمور سيئة. هم يعرفون ذلك. ما يحتاجونه هو شيء آخر تماماً: فعل، مبادرة، نموذج، خطوة صغيرة تكسر هذا الجمود الكبير.
إذا كانت الكنيسة، بكل تاريخها وإمكاناتها وإيمانها، لا تستطيع أن تحوّل هذا القدر من اليأس إلى رجاء… فمن يستطيع؟
ولهذا أيضاً… إن صادفتم من لا يزال يؤمن بالفعل لا بالكلام فقط، لا يشرح الألم بل يحاول تغييره، لا يكتفي بوصف الواقع بل يصنع فيه فرقاً… فتمسكوا به.لأنّه، ببساطة، آخر ما تبقى من رجاء في هذا البلد.

