البطريرك الراعي يذكر بمبدأ بديهي.. «لبنان لا يُحكم بسلاحين»

البطريرك الراعي يذكر بمبدأ بديهي.. «لبنان لا يُحكم بسلاحين»

  • ٠٤ أيار ٢٠٢٦
  • الأب هاني طوق

كتب الأب هاني طوق على حسابه: البطريرك يرفع سقف الخطاب، لكنه يُبقي باب الحوار مفتوحًا. هذا التوازن ليس ضعفًا، بل تعبير عن إدراك عميق لتعقيدات الواقع اللبناني.

في خضمّ الحملات التي تتصاعد ضد غبطة البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، يبدو واضحًا أنّ النقاش لم يعد يدور حول اختلاف سياسي مشروع، بل انزلق في كثير من الأحيان إلى مستوى التجنّي والتشويه. وهذا يفرض إعادة وضع الأمور في سياقها الحقيقي: ماذا قال الرجل فعلًا؟ وما هو الدور الذي يمثّله تاريخيًا في لبنان؟

أول ما يجب توضيحه أنّ البطريرك لم يخرج عن تقليد بكركي التاريخي، بل استكمله بصيغة تناسب المرحلة. فمنذ عهد البطريرك الدائم مار  نصرالله بطرس صفير، لعبت البطريركية دورًا محوريًا في الدفاع عن سيادة لبنان، وكان موقفها أحد الركائز التي مهّدت لـ انتفاضة الاستقلال ٢٠٠٥. اليوم، يواصل الراعي هذا النهج، لكن في ظروف أكثر تعقيدًا، حيث لم تعُد الأزمة محصورة بوجود خارجي، بل أصبحت أزمة بنيوية في الدولة نفسها.

حين قال الراعي إنّ «لبنان لا يُحكم بسلاحين»، لم يكن يحرّض على فئة لبنانية، كما يحاول البعض تصويره، بل كان يعيد التذكير بمبدأ بديهي: لا دولة فعلية من دون احتكار الشرعية الأمنية. هذا الموقف ليس موجّهًا ضد طرف بعينه، بل ضد منطق ازدواجية السلطة، أيًا كان حامله. والدليل أنّ بكركي، في الوقت نفسه، لم تقطع قنوات الحوار مع حزب الله، بل استمرت اللقاءات في محاولة لتفادي أي انزلاق داخلي. فهل يُعقل أن يُتّهم بالدعوة إلى الفتنة من يصرّ على الحوار؟

أما في ما يتعلق بطرح «حياد لبنان»، فقد جرى تشويهه وكأنّه مشروع لعزل لبنان أو تخليه عن قضاياه. بينما الواقع أنّ هذا الطرح جاء في سياق واضح: حماية لبنان من أن يكون ساحة لصراعات الآخرين. البطريرك لم يدعُ يومًا إلى التخلي عن الحقوق الوطنية، بل إلى تحييد البلد عن المحاور التي استنزفته. وهذا الطرح ينسجم مع جوهر الكيان اللبناني كما نشأ تاريخيًا، لا يتناقض معه.

وعندما دعا إلى مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، لم يكن ذلك استدعاءً للوصاية كما يُشاع، بل تعبيرًا عن حقيقة مرة: أنّ الطبقة السياسية اللبنانية أثبتت عجزها عن إنتاج حلول. هذه الدعوة تندرج في سياق محطات تاريخية سابقة، أبرزها اتفاق الطائف، الذي لم يكن انتقاصًا من السيادة، بل إطارًا لإنهاء حرب مدمّرة. فهل يصبح طلب المساعدة الدولية جريمة عندما تصل البلاد إلى حافة الانهيار؟

وعندما ساند موقف رئيس الجمهورية بالذهاب الى المفاوضات، إيمانا منه أنّنا امام حائط مسدود،وتدمير ممنهج للمدن والقرى والبلدات، والأفراد الضحايا، لا سبيل الى إيقاف هذا الجنون إلا بالذهاب الى التفاوض من خلال التأييد  الكامل لمجلس الوزراء وأغلبية الشعب اللبناني .

في الملف الإقتصادي، لم يكتفِ البطريرك بالمواقف العامة، بل وجّه اتهامات صريحة للطبقة الحاكمة بعد الأزمة المالية اللبنانية ٢٠١٩ محمّلًا إياها مسؤولية إذلال اللبنانيين. هذا الخطاب لم يكن شعبويًا، بل عكس واقعًا يعيشه المواطن يوميًا. وهنا تحديدًا يكمن سبب الهجوم عليه: لأنه كسر صمتًا كان مريحًا لكثيرين.

وفي ما يخص التوترات العسكرية في الجنوب، كان موقفه ثابتًا: «لبنان لا يحتمل حربًا جديدة». هذا ليس موقفًا سياسيًا ضيقًا، بل قراءة واقعية لقدرات بلد منهك. وهو في جوهره دفاع عن كل اللبنانيين، لا عن فئة دون أخرى.

اللافت أنّ منتقدي البطريرك يتجاهلون عمدًا هذا التوازن في مواقفه: فهو من جهة يرفض السلاح خارج الدولة، ومن جهة أخرى يرفض أي صدام داخلي؛ ينتقد القوى السياسية، لكنه لا يتحوّل إلى طرف حزبي؛ يرفع سقف الخطاب، لكنه يُبقي باب الحوار مفتوحًا. هذا التوازن ليس ضعفًا، بل تعبير عن إدراك عميق لتعقيدات الواقع اللبناني.

إنّ الدور التاريخي لبكركي لم يكن يومًا تفصيلاً. فمنذ نشوء لبنان، شكّلت مرجعية وطنية ساهمت في تثبيت فكرة العيش المشترك والدولة. وفي المراحل التي ضعفت فيها المؤسسات، كانت بكركي إحدى الجهات القليلة التي حافظت على استمرارية الخطاب الوطني. اليوم، ومع تراجع الدولة، يعود هذا الدور ليبرز مجددًا، وهذا ما يفسّر حجم الاستهداف.

في المحصلة، يمكن الإختلاف مع البطريرك في بعض الطروحات، وهذا أمر طبيعي بل صحي. لكن تحويل هذا الإختلاف إلى حملات إساءة وتشكيك بالدور هو أمر آخر تمامًا. لأنّ المسألة لا تتعلق بشخص فقط، بل بموقع تاريخي لعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على لبنان، ولا يزال يحاول - وسط الانهيار- أن يذكّر اللبنانيين بأنّ الدولة ليست فكرة من الماضي، بل ضرورة للمستقبل.