نحن الخونة

نحن الخونة

  • ٠٤ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

حين يصبح كل اختلاف خيانة، تتحول الخيانة إلى توصيف فارغ، وإلى أداة خطابية أكثر منها حكماً أخلاقياً.

نحن الخونة. هكذا يُقال، وهكذا يُراد لنا أن نُعرَّف، بلا حاجة إلى تدقيق أو تبرير. لسنا بحاجة إلى محكمة، ولا إلى لائحة اتهام قانونية واضحة. يكفي أنّنا لا نهتف لتدمير إسرائيل وقتل اليهود بما يكفي، ولا نُصفّق في توقيت وزمن «المقاومة»، ولا نُجيد ترداد السردية القديمة بالحماسة المطلوبة. نحن الذين لا نرى في الحروب قدراً دائماً، ولا في الانخراط فيها فضيلة بحد ذاتها، ولا في تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة على الدمار إنجازاً يُفاخر به. نحن، ببساطة، خارج النصّ المطلوب، وخارج الإيقاع الذي فُرض على هذا البلد منذ عقود.

جريمتنا الأولى أنّنا تعبنا، لكن التعب هنا ليس حالة عابرة، بل موقف. تعبنا من أن تكون حياتنا رهينة كل جبهة تُفتح، ولكل خطاب رجل دين خائف يسكن تحت الأرض، ولكل قرار يُتخذ في طهران ثم يُترجم هنا دماً وخسائر. تعبنا من أن يُطلب دائماً المزيد. المزيد من الصبر، المزيد من التحمل، المزيد من الصمت، فيما لا شيء يتغير إلا حجم الانهيار الذي يتراكم، طبقة فوق طبقة، حتى بات أقرب إلى قدر يومي لا مفر منه.

ثم إنّنا نرتكب خطيئة أكبر يا سادة، نريد حياة عادية... وهذه بحد ذاتها «جريمة». نريد تفاصيل مملة، يوميات بلا بطولات وهمية وتدمير أنفاق ودبابات «ميركافا»، دولة تُدير شؤون الناس بدل أن تدير أزماتهم. نريد كهرباء مستقرة أكثر من أي انتصار معنوي، ونريد مؤسسات تعمل أكثر من أي خطاب تعبوي، ونريد مستقبلاً يمكن تصوره من دون الحاجة إلى حساب احتمالات الحرب في كل لحظة. هذا الطموح المتواضع، في قاموسهم، لا يُقرأ كحقّ بديهي، بل كدليل ضعف، كنوع من التخاذل، كإشارة إلى أنّنا لا نرتقي إلى مستوى «القضية»... هذه القضية التي، بالمناسبة، لم تُنتج إلا الفوضى والدم والموت.

ومن هنا، يصبح مطلب الدولة بحد ذاته شبهة. حين نقول إنّنا نريد دولة واحدة، وسلاحاً واحداً، وقراراً واحداً، لا نفعل ذلك من باب التنظير، بل من باب الحاجة. لكن هذا أيضاً يُصنَّف خيانة، لأنّ الدولة عندهم، في هذا المنطق، ليست مرجعية نهائية، بل خيار بين خيارات، يمكن تجاوزه عند الضرورة، ويمكن الالتفاف عليه متى تعارض مع «المصلحة الكبرى» التي تُعرّف دائماً خارج مؤسساتها. وحين نتمسك بالجيش اللبناني، لا كرمز فقط بل كأداة سيادية، نصبح أكثر تورطاً في تهمة الخيانة، لأنّنا نرفض فكرة التعدّد في مصادر القوة، ونصر على أنّ الإحتكار ليس مجرد خيار، بل شرط قيام أي دولة طبيعية قابلة للحياة.

في المقابل، يُعاد تعريف الوطنية بطريقة معكوسة بالكامل. «الوطني» هو من لا يسأل، من لا يشكك، من يقبل أن يكون بلده في خدمة معركة غير قابلة للنصر، وشعب في خدمة خيار ينتمي إلى زمن مضى، ودولة تُستدعى عند الحاجة وتُهمَّش عند أول أزمة. «الوطني» هو من يرى في الحروب استمرارية طبيعية وأبدية، لا حالة يجب معالجتها، ومن يقبل بأن تكون الأولويات مرسومة خارج الحدود، وأن يكون الانتماء موزعاً بين ما هو لبناني وما هو أبعد من لبنان بكثير. «الوطني» هو من يستطيع أن يحوّل كل خسارة إلى نصر يضحك فيه على الناس، وكل تراجع إلى إعادة تموضع، وكل انهيار إلى دليل صمود، من دون أن يشعر بحاجة إلى مراجعة حقيقية حتى.

بهذا المعنى، لا تعود المسألة مجرد اختلاف في الرأي، بل اختلاف في تعريف الواقع نفسه. نحن نرى بلداً يُستنزف، ومجتمعاً يُرهق، ودولة تتآكل، وهم يرون مساراً مستمراً من «الإنجازات» و «البطولات» التي لا تنعكس إلا مزيداً من الأزمات. نحن نقرأ التحولات من حولنا، ونحاول أن نعيد تموضعنا داخلها، وهم يتمسكون بلحظة ماضية، يعيدون إنتاجها خطابياً، كأنّ الزمن توقف عندها، وكأنّ كل ما تلاها مجرد تفصيل يمكن تجاهله.

لهذا، نصبح «خونة» عندما نسأل. لماذا ندفع ثمن الحروب دائماً؟ وما الفائدة التي جنيناها من هذه الحروب التي فتحها «حزب الله» دون أن يسألنا؟ لماذا يُطلب منا أن نتحمل نتائج قرارات لم نشارك في اتخاذها؟ والأهم، لماذا يتحول كل نقاش إلى تخوين، وكل محاولة لإعادة التفكير إلى تهديد؟ هذه الأسئلة، ببساطتها، تُقابل بالكثير من الاتهامات بالخيانة والصراخ من «الممانعين».. ربما لأنّ الإجابة عليها تفتح الباب أمام خلخلة السردية التي بُنيت حول «المقاومة»، والتي لا تحتمل الكثير من التدقيق.

ومع ذلك، فإنّ أخطر ما في هذه المعادلة ليس الاتهام بحدّ ذاته، بل محاولة تحويله إلى شعور دائم بالذنب، إلى حاجة مستمرة لتبرير البديهيات. لكن هذه المحاولة بدأت تفقد فعاليتها. لم يعد الاتهام بالخيانة يملك القوة نفسها، لأنّه بات يُستخدم على نطاق واسع، إلى درجة أنّه فقد معناه. حين يصبح كل اختلاف خيانة، تتحول الخيانة إلى توصيف فارغ، وإلى أداة خطابية أكثر منها حكماً أخلاقياً.

عند هذه النقطة، يتغير موقعنا داخل المعادلة. لم نعد نحاول الدفاع عن أنفسنا بقدر ما نعيد تعريف ما يُقال عنا. نعم، نحن «الخونة» إذا كان معنى ذلك أنّنا نريد وطناً قابلاً للحياة، ودولة تُشبه شعوبها، ومستقبلاً لا يُبنى على الحروب المفتوحة لتكسب إيران ورقة للمقايضة في المفاوضات. نحن «الخونة» إذا كان المطلوب هو أن نصمت، وأن نقبل، وأن نكرر ما يُقال لنا من دون مساءلة. لكن في المقابل، نحن أيضاً الفئة التي لا تزال ترى أنّ هذا البلد يمكن أن يكون أكثر من مجرد ساحة، وأكثر من مجرد أداة في صراع أكبر منه.

هكذا، تنقلب المفارقة على نفسها. ما يُراد له أن يكون إدانة يتحول إلى تعريف مضاد. وما يُستخدم لإقصائنا يصبح، تدريجياً، علامة على أنّنا خارج الدائرة المغلقة التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه. وفي لحظة كهذه، لا يعود السؤال كيف نرد على تهمة الخيانة، بل لماذا أصبحت هذه التهمة الطريقة الوحيدة للدفاع عن واقع لم يعد قابلاً للدفاع عنه.