محمد الدايخ والانفصام

محمد الدايخ والانفصام

  • ١٠ آب ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

من يقضي سنوات في تشويه بيئته، لا يحقّ له أن يغضب عندما يكتشف أنّ المجتمع صدق روايته

ads

في السياسة كما في الإعلام، هناك من يبني حضوره على فكرة، وهناك من يبني شهرته على جلد بيئته. ومحمد الدايخ كان واحداً ممن اختاروا الطريق الثاني. فمنذ سنوات، ارتكز جزء كبير من حضوره على السخرية من البيئة الشيعية وعاداتها وتقاليدها، حتى أصبحت هذه السخرية هويته الفنية. وقد جاء ذلك في مرحلة كانت فيها الطائفة الشيعية في أوج قوتها، فصفق له البعض باعتبار أنّه كسر حاجز الخوف، فيما رأى آخرون أنّ ما يفعله قد يساهم في تشكيل رأي عام معارض للثنائي الشيعي من داخل البيئة نفسها.

ومع مرور الوقت، تحقق أمر واحد فقط، وهو سقوط التابو. أما النكات نفسها، فقد استهلكت حتى فقدت تأثيرها. فالجمهور لا يضحك إلى الأبد على الفكرة نفسها، ولا يبقى أسير الأسلوب ذاته. وما كان يعتبر يوماً جريئاً، تحول إلى مادة مكررة لم تعد تثير الاهتمام.

المشكلة أنّ محمد الدايخ، كما غيره، ظن أنّ انتقاد أبناء بيئته سيجعله بطلاً عند الجميع. لكنه اكتشف أنّ النتيجة كانت معاكسة. خسر جزءاً كبيراً من جمهوره الطبيعي، ولم يتحول في المقابل إلى شخصية مرحب بها في البيئات الأخرى. فمن يصفق لك لأنّك تهاجم جماعتك، ليس بالضرورة أن يعتبرك واحداً منه.

وعندما خرج ليتحدث عن تعرضه للطائفية بسبب رفض تأجير شقة له، بدا وكأنّه نسي سنوات طويلة أمضاها في رسم صورة نمطية عن المجتمع الشيعي. فمن كرر أمام الناس أنّ هذه البيئة مليئة بالمظاهر السلبية، وأنّها تختزل في نماذج معينة، لا يحق له أن يستغرب عندما يقتنع قسم من المجتمع بما كان هو يقدمه على أنّه واقع.

والأكثر تناقضاً أنّه حاول الرد عبر مهاجمة المسيحيين واتهامهم بالطائفية. لكن هذا الأسلوب لن يغير شيئاً. فلن يمحو صورته لدى أبناء بيئته، ولن يجعله أكثر قبولاً عند غيرهم. لأنّ المشكلة ليست في رد فعل الآخرين، بل في الخطاب الذي اختاره هو لسنوات، والذي ساهم بنفسه في ترسيخ صورة سلبية عن أبناء طائفته.

إذا كان ما قدمه طوال تلك المرحلة نابعاً من قناعة، فعليه أن يتفهم أنّ الآخرين اقتنعوا بما كان يقوله. أما إذا كان الهدف هو الشهرة والانتشار والعائد المادي، فقد نال ما أراد عندما كانت هذه المادة مطلوبة، وعليه اليوم أن يتحمل نتائجها عندما انقلبت عليه.

من يزرع صورة، يحصد آثارها. ومن يقضي سنوات في تشويه بيئته، لا يحق له أن يغضب عندما يكتشف أنّ المجتمع صدق روايته. فهذا ما اقترفته يداك، فلا تلومنَّ إلا نفسك.

ads
ads