قانون إصلاح المصارف في لبنان.. هل يمهّد لإعادة الهيكلة وحماية المودعين؟
أقرّ مجلس النواب اللبناني مشروع القانون الرامي إلى تعديل بعض مواد قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، في خطوة تشريعية أساسية لمعالجة تداعيات الأزمة المالية التي بدأت عام 2019. إلا أن القانون لا يشكّل حلًا نهائيًا للأزمة، إذ يبقى تنفيذ الجزء الأساسي من مسار إعادة هيكلة المصارف مرتبطًا بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة المالية، الذي لم يُقرّ بعد ويخضع لإعادة الدرس.
لكن هذه الآليات لا تعني بدء إعادة الهيكلة فورًا، إذ يبقى تنفيذ قانون إصلاح المصارف مرتبطًا بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يفترض أن يحسم جانبًا أساسيًا من كيفية معالجة الخسائر والودائع.
الهيئة المصرفية العليا.. في قلب إعادة الهيكلة
تتألف الهيئة المصرفية العليا من غرفتين، لكل منهما صلاحيات مختلفة. وتُعدّ الغرفة الثانية المرجع الأساسي في عملية إعادة الهيكلة، إذ تتولى اتخاذ القرارات المتعلقة بإخضاع المصارف لعملية إصلاح الوضع أو التصفية، استنادًا إلى التقييمات والتقارير الرقابية. ويشمل ذلك تحديد المسار المناسب لكل مصرف، من إعادة الرسملة أو الهيكلة والدمج وصولًا إلى التصفية عندما يصبح استمرار المصرف غير ممكن.
المادة 11.. من يتحمل كلفة إعادة الرسملة؟
من أبرز المواد التي شهدت نقاشًا المادة 11، المتعلقة بمشاركة المساهمين في إعادة رسملة المصارف. وقد أُقرت الصيغة الحكومية التي تحصر مشاركة المساهمين الحاليين في إعادة الرسملة بأصحاب حصص الأقلية، دون المساهمين أصحاب الأغلبية أو حق السيطرة.
ويرتبط ذلك بمبدأ الإنقاذ الداخلي (Bail-in)، الذي يقوم على تحميل المساهمين وبعض الدائنين الخسائر وإعادة رسملة المصرف قبل اللجوء إلى المال العام.
ويضع القانون تراتبية لامتصاص الخسائر تبدأ بالأموال الخاصة والأدوات الرأسمالية، ثم تنتقل إلى الدائنين وفق مراتبهم القانونية. أما كيفية معالجة الودائع وحمايتها واستردادها، فتبقى مرتبطة بصورة أساسية بما سيحدده قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
المادة 23.. الودائع في صلب قانون الفجوة المالية
أما المادة 23، فأُقرت وفق صيغة لجنة المال والموازنة، وتنص على تغطية الودائع في المصارف الخاضعة للتصفية وفق معايير وأحكام قانون الفجوة المالية، وهو ما أثار اعتراض وزير المالية ياسين جابر بسبب احتمال تحميل الدولة أعباء مالية مستقبلية.
وهنا تكمن النقطة الأساسية: قانون إصلاح المصارف لا يحدد بمفرده كيفية إعادة أموال المودعين، بل يحتاج إلى قانون الانتظام المالي الذي سيحدد كيفية توزيع الخسائر وآليات الاسترداد.
المادة 3.. أين تنتهي صلاحيات الهيئة ويبدأ دور مصرف لبنان؟
رفض مجلس النواب مقترح لجنة المال والموازنة بشأن المادة 3، الذي كان يهدف إلى ربط تطبيق القانون بقانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه، بناءً على طلب حاكم مصرف لبنان.
ويعكس هذا النقاش خلافًا واضحًا على حدود صلاحيات الغرفة الثانية في الهيئة المصرفية العليا مقارنة بصلاحيات مصرف لبنان والمجلس المركزي.
الدولة والمصرف المركزي والمصارف.. من يتحمل الخسائر؟
وفي حديث خاص لـبيروت تايم، قال مدير مكتب النائب إبراهيم كنعان، غابي مراد، إن ملف الودائع مرتبط مباشرة بقانون الانتظام المالي، الذي لا يزال قيد البحث في لجنة المال والموازنة.
وأوضح أن قانون إصلاح المصارف يهدف إلى وضع خريطة لإعادة هيكلة القطاع، عبر دراسة أوضاع كل مصرف وتحديد القابل للاستمرار، والمحتاج إلى إعادة هيكلة أو دمج، وصولًا إلى المصارف التي قد لا يكون استمرارها ممكنًا.
وأشار مراد إلى أن معالجة الأزمة تتطلب تحديد المسؤوليات بين الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية، وتحديد نسبة تحمّل كل طرف وآلية إعادة الأموال إلى المودعين.
هل يتأثر المودع عند دمج المصارف؟
وفي ما يتعلق باحتمال دمج المصارف، أكد مراد، في حديثه الخاص لـبيروت تايم، أن الهدف من إعادة الهيكلة ليس تحميل المودع كلفة تعثر المصرف، مشددًا على أهمية حماية حقوق المودعين.لكن الآلية النهائية لاسترداد الودائع تبقى مرتبطة بقانون الانتظام المالي، الذي سيحدد كيفية توزيع الخسائر وآلية السداد.
القانون بداية المسار لا نهايته
يمثل إقرار قانون إصلاح المصارف خطوة أساسية، لكنه لا يحسم الأزمة المالية بمفرده. فإعادة بناء القطاع تحتاج إلى تحديد الخسائر، وتوزيعها، وتحديد آلية استرداد الودائع، ثم إعادة تكوين قطاع مصرفي قادر على تمويل الاقتصاد واستعادة الثقة.
وفي حديثه الخاص لـبيروت تايم، شدد غابي مراد على أن قانون هيكلة المصارف خطوة ضرورية، لكنه لا يحدد وحده مصير الودائع، مؤكدًا ضرورة وضع الدولة خريطة طريق واضحة لمعالجة الخسائر وإعادة الأموال إلى أصحابها.
وبذلك، يكون مجلس النواب قد أقرّ الإطار القانوني لإعادة هيكلة القطاع، لكن الانتقال إلى التطبيق الفعلي يبقى مرتبطًا بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. وبعد ذلك، سيكون الاختبار الحقيقي في كيفية تصنيف المصارف، وتوزيع الخسائر، وحماية المودعين، وتحديد مسؤولية كل من الدولة ومصرف لبنان والمصارف، وصولًا إلى إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي.
فإصلاح المصارف ليس هدفًا بحد ذاته، بل جزء من مسار أوسع يفترض أن يشمل معالجة الخسائر واسترداد الودائع وإعادة بناء قطاع مصرفي سليم قادر على تمويل الاقتصاد واستعادة ثقة اللبنانيين.

