«مخدّرات «فاخرة».. من سن الفيل وجزين إلى أوروبا..عصابة الكيتامين قيد الملاحقة
«مخدّرات «فاخرة».. من سن الفيل وجزين إلى أوروبا..عصابة الكيتامين قيد الملاحقة
مخازن مخدرات ضخمة في سن الفيل والأشرفية وكورنيش المزرعة وبشامون والحازمية وكسروان والسبتية.. والرأس المدبر خارج لبنان. مداهمات ورصد دقيق من الأجهزة الأمنية، وملف قضائي عبر الإنتربول
كل ملفات المخـدرات الكبرى تبدأ بمعلومة صغيرة. هذه المرة، بدأت من مخبر واحد، وجملة واحدة: هناك مكان في سن الفيل يبيع «بضاعة فاخرة».
وبحسب معلومات حصلت عليها «بيروت تايم»، لم تكن هذه الجملة كافية لإطلاق مداهمة. كانت كافية فقط لبدء الرصد. وفي عالم مكافحة المخـدرات، الرصد سباق مع الزمن لأنّ التجار لا ينتظرون.
بينما كانت مفرزة استقصاء جبل لبنان تُحكم طوقها حول المكان المرصود في سن الفيل، حصل ما لم يكن في الحسبان: تحرّك المخزن، وانتقل إلى الأشرفية.
مشكلة واحدة وقفت في الطريق؛ الأشرفية جغرافياً خارج نطاق صلاحية مفرزة استقصاء جبل لبنان. خيط التحقيق كان يمكن أن ينقطع هنا، عند حدود إدارية بحتة، تاركاً الشبكة تكمل عملها بحرية.
لكن النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضي سامي صادر، أصدر الإشارة القضائية التي سمحت بمتابعة الملاحقة خارج الحدود الإدارية المعتادة.
مع حلول الليل، تحرّكت القوى الأمنية. في الأشرفية، أوقفت كل من م. عبجي وع. شقير، وضُبطت كميات كبيرة من المواد المخـدرة.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في الكمية، بل في النوعية: الكيتامين؛ المادة الطبية القوية المستخدمة أساساً كمخدّر للتخدير في العمليات، والتي يُساء استخدامها لتأثيراتها التي تصل إلى الانفصال عن الواقع والهلوسة.
إلى جانبه، ضُبطت ليترات من المادة بالحالة السائلة، وعبوات كحول استُخدمت لتغليفها وإخفائها بطريقة احترافية ما يشير إلى شبكة منظمة لا إلى تجارة عشوائية. كما عُثر على كوكايين، وحشيشة بنكهة الليمون، ومواد أخرى.
خلال التحقيق، تحدث عبجي عن مخزن إضافي له في كورنيش المزرعة. تحركت الأجهزة الأمنية فوراً، وأوقفت والده ووالدته وشقيقه وشقيقته. ولم تعثر إلا على معدات توضيب فيما المخـدرات كانت قد اختفت.
أين «المطبخ» الفعلي؟
بعد تحقيق إضافي الجواب كان بشامون. مداهمة ليلية ثانية أوقعت ب ح. طبارة بالجرم المشهود، وهو يحضّر المواد بنفسه. وإلى جانبه، كميات إضافية من الكيتامين داخل عبوات معدّة للتوزيع.
من طبارة، امتد الخيط إلى عنوان جديد: الحازمية، حيث شقة يديرها مروّج آخر هو أ. حرفوش، ضُبطت فيها أموال وذهب ومقتنيات ثمينة.
عند هذه المرحلة، كانت مفرزة استقصاء جبل لبنان قد فككت حلقة كاملة من الموزّعين والمخازن.
لكن شيئاً كان ناقصاً: من يدير العصابة؟
الأطراف كانت في القبضة. الرأس بقي مجهولاً؛ إلى أن عُثر على رسالة على هاتف طبارة، من شخص يوقّع باسم «روبن»، يطمئنه فيها أنّ «العمل مستمر».
تتبّع المحققون الخيط، ووصلوا إلى شريكة روبن، د. صادق. ومن هناك، تحركت الأجهزة الأمنية إلى جزين، وأوقفت والد ووالدة روبن.
التحقيق كشف حينها هوية الرجل الذي كان يدير الشبكة من الظل: (م. ت.)، فلسطيني بلجيكي في الثالثة والثلاثين من عمره، يتنقل بين عدة دول أوروبية، ويعمل ظاهرياً في تنظيم الحفلات، الغطاء المثالي لإدارة شبكة توزيع دولية عبر وسائل اتصال مشفّرة، من خارج الأراضي اللبنانية بالكامل.
مع اقتراب التحقيق من الدائرة الضيقة المحيطة بالرأس المدبّر، تلقى القاضي سامي صادر، بحسب معلومات «بيروت تايم»، اتصالات من أرقام مجهولة تضمّنت تهديدات مباشرة بالقتل.
الملف لم يتوقف. صادر تابع التحقيق، وأطلق المسار القضائي لملاحقة المشتبه به الرئيسي عبر الإنتربول، بعدما ثبت وجوده خارج الأراضي اللبنانية.
بحسب آخر المعلومات المتوفرة لدى «بيروت تايم»، دخلت مناطق جديدة على خط التحقيق: كسروان والسبتية، ليرتفع العدد الإجمالي للموقوفين إلى أحد عشر شخصاً. الملف لا يزال مفتوحاً، والمسار القضائي عبر الإنتربول متابَع للوصول الى الرأس المدبّر.
من إشارة قضائية واحدة تجاوزت حدوداً إدارية ضيّقة، إلى رسالة «روبن» التي فتحت الطريق نحو أوروبا، يبدو هذا الملف نموذجاً لما يمكن أن يحققه التنسيق الوثيق بين الأجهزة الأمنية والقضاء عندما لا يتوقف أحدهما عند أول عقبة إدارية.

