محور الممانعة بعد السابع من أكتوبر... من وهم النصر إلى جغرافيا الهزيمة
محور الممانعة بعد السابع من أكتوبر... من وهم النصر إلى جغرافيا الهزيمة
في ذلك الصباح، ظنّ المحور أنّه فتح أبواب القدس، لكنه حين التفت إلى الخلف، اكتشف أنّ الأبواب التي فُتحت كانت أبواب سقوطه هو.
في صباح السابع من أكتوبر، بدا المشهد كأنّه خرج من فيلم لم تكتب إسرائيل نهايته. مقاتلون يعبرون الحدود، مستوطنات تسقط، أسرى يُنقلون إلى غزة، وصورة الجيش الذي لا يُقهر تتحطم أمام العالم. في الساعات الأولى، احتفل محور الممانعة بما اعتبره أعظم انتصار في تاريخه، لكن ذلك اليوم لم يستمر العيد طويلاً. مع حلول الليل، كان باب الجحيم قد فُتح، وما قُدّم على أنّه بداية تحرير فلسطين تحوّل سريعاً إلى بداية الانهيار الأكبر في تاريخ المحور.
في غزة، دفعت حماس ثمناً تجاوز قدرتها على الاحتمال. اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في طهران، وقتلت يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى ومحمد السنوار، كما اغتالت صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية. سقطت القيادة السياسية والعسكرية تباعاً، فيما تحولت غزة إلى مدينة من الركام. أحياء كاملة مُسحت، ومئات آلاف الفلسطينيين فقدوا منازلهم، بينما يعيش معظم السكان بين الخيام والمناطق المدمرة. واليوم تسيطر إسرائيل عسكرياً على أكثر من ستين في المئة من مساحة القطاع، فيما بقي أكثر من مئة ألف غزي خارج أرضه، في بداية مسار تهجير يخشى الفلسطينيون أن يتحول من واقع مؤقت إلى مصير دائم.
أما في لبنان، فقد انتقلت الحرب من مساندة غزة إلى إسقاط رأس حزب الله. اغتالت إسرائيل حسن نصرالله، ثم هاشم صفي الدين وفؤاد شكر وإبراهيم عقيل وعلي كركي، إضافة إلى عدد كبير من قادة الوحدات والجبهات. خلال أشهر، خسر الحزب قيادته التاريخية ومعظم هيكله العسكري الأعلى، وسقطت أسطورة الردع التي بناها طوال عقود. الجنوب اللبناني دُمّر، قرى حدودية مُسحت أو هُجّر أهلها، وإسرائيل لم تعد تكتفي بالغارات بل فرضت منطقة أمنية تسيطر من خلالها على نحو ستة في المئة من الأراضي اللبنانية، بعد وصولها إلى تلة علي الطاهر وإعلانها إحكام قبضتها على المنطقة التي تريد الاحتفاظ بها.
وفي سوريا، جاءت الضربة التي لم تكن طهران تتخيلها. سقط بشار الأسد في كانون الأول عام ٢٠٢٤، وسقط معه الجسر البرّي الذي ربط إيران بلبنان لعقود. دخل أحمد الشرع إلى دمشق، ووصل إلى الحكم نظام يعادي إيران وحزب الله، بعدما كان الحزب يقاتل لسنوات دفاعاً عن الأسد. تحولت سوريا من ساحة مفتوحة أمام السلاح الإيراني إلى دولة تتهم الحزب بتهريب السلاح وتفكيك خلايا مرتبطة به. لم تخسر إيران حليفاً فقط، بل خسرت الطريق الذي كان يمنح مشروعها الإقليمي الحياة.
ثم وصلت النار إلى إيران نفسها. حرب على مدى ١٢ يوماً فتحت جراحها، وحرب ثانية ممتدة منذ شباط عام ٢٠٢٦ استنزفت ما بقي من اقتصادها وبنيتها العسكرية. منشآت ضُربت، قدرات دُمّرت، الموانئ خُنقت بالحصار، وتهاوى الريال إلى مستويات تاريخية، بينما بات المواطن الإيراني يدفع ثمن مشروع أنفق المليارات خارج الحدود ثم عجز عن حماية الداخل.
بعد ثلاثة أعوام على السابع من أكتوبر، لم تعد خريطة محور الممانعة كما كانت. غزة محطمة، حزب الله منكسر، الأسد هارب، وإيران محاصرة ومحترقة جزئياً. في ذلك الصباح، ظنّ المحور أنّه فتح أبواب القدس، لكنه حين التفت إلى الخلف، اكتشف أنّ الأبواب التي فُتحت كانت أبواب سقوطه هو.

