الحزب القومي... انقسام بنكهة تجارية

الحزب القومي... انقسام بنكهة تجارية

  • ٠٨ تشرين الأول ٢٠٢٦

عندما يصبح لكل خلاف فرع، ولكل فرع رئيس، ولكل رئيس شرعية، تصبح المشكلة أبعد من خلاف تنظيمي. تصبح سؤالاً عن معنى المؤسسة نفسها.

كان يمكن للحزب السوري القومي الاجتماعي أن يحتفل اليوم بانتخاب رئيس جديد، لو لم تكن المشكلة أنّ المراقب يحتاج أن يسأل: أي حزب سوري قومي اجتماعي تقصد؟

ففي ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ انتخب المجلس الأعلى عصام شاهين رئيساً للحزب بالاقتراع السرّي. وبذلك أقفلت بورصة الحزب على ٥ رؤساء لـ٥ أجنحة للحزب: ربيع بنات، أسعد حردان، علي حيدر، رئيسة أخرى من آل حبيب، والآن عصام شاهين.

نعم، خمسة رؤساء. ليس خمسة نواب للرئيس. وليس خمسة أعضاء في قيادة جماعية. بل خمسة رؤساء. هذه ليست مأساة حزبية إنّما مادة تصلح للكوميديا.

لو أراد أحدهم أن يشرح لشخص أجنبي وضع الحزب «القومي»، فقد يظن أنّ هناك سوء ترجمة. أو أنّ كلمة «رئيس» في القاموس القومي لها معنى آخر. أو ربما اعتمد الحزب أخيراً النظام الفدرالي: رئيس لكل كانتون، ومنطقة نفوذ لكل مسؤول، ودستور خاص بكل جناح.

أمام هذه التراجيديا، فإنّ الحل الأسهل أن نتعامل مع «الحزب القومي» كعلامة تجارية لبنانية. تماماً كما نتعامل مع Whish Money أو Wooden Bakery أو «ناولني».

أينما ذهبت تجد فرعاً. وإذا سألت عن الفرع الأصلي، يبدأ النقاش. هذا يقول لك: «نحن المركز». والثاني يجيب: «لا، نحن الشرعية». والثالث يقول: «نحن الامتداد التاريخي». والرابع يشرح لك أنّ المؤتمر الفلاني هو صاحب الشرعية. والخامس يقول إنّ كل ما سبق غير دستوري، وإنّه هو صاحب الحق.

وفي النهاية، تجلس أمام خمسة «قوميين» وكل واحد منهم مستعد لأن يقدم لك شرحاً تاريخياً ودستورياً مطولاً يثبت أنّه الحزب القومي الأصلي، وأنّ الآخرين مجرد نسخ تقليد.

وإذا كان الـWooden Bakery يبيع لك المناقيش نفسها من خمسة فروع، فإنّ القومي يبيعك شيئاً واحداً أيضاً في فروعه الخمسة: أنطون سعادة.

لكن الفارق الوحيد هو أنّ الـWooden Bakery أكثر وضوحاً مع زبائنه. أنت تعرف أنّك دخلت فرعاً من فروعه، وتعرف ماذا ستشتري، وتدفع الحساب وتخرج. أما في الحزب القومي، فقد تدخل لتسأل عن الرئيس، فتجد نفسك أمام خمسة فروع، وكل فرع يحمل لافتة «الأصلي».

والأطرف أنّ الزبون في الـWooden Bakery لا يضطر إلى خوض نقاش تاريخي لإثبات أنّ المناقيش التي اشتراها من الفرع القريب هي المناقيش الشرعية. لا أحد سيطلب منك أن تحدد أي مؤتمر أعطى الفرع حق استخدام الزعتر. ولا أحد سيصدر بياناً يتهم الفرع المقابل باغتصاب اللحم بعجين أو منقوشة الجبنة.

وبما أنّ كل خلاف بالحزب ينتهي بفرع جديد، فربما علينا أن نتوقف عن تسميته «انقساماً» ونبدأ بتسميته توسّعاً تجارياً. وقد يكون من المفيد أيضاً وضع خريطة للفروع على غرار خرائط الـWooden Bakery. بدل أن يبحث المواطن عن أقرب فرع للمناقيش، يبحث عن أقرب رئيس قومي.

وهنا تظهر ميزة تنافسية نادرة: إذا اختلفت مع رئيس، لا داعٍ لأن تترك الحزب. يمكنك ببساطة الانتقال إلى الفرع المجاور. وإذا لم يعجبك الفرع الثاني، هناك الثالث. وإذا اختلفت مع الثالث، لا تقلق، فالسوق مفتوح.

المشكلة أنّ الحزب الذي يفترض أن يكون مدرسة في الانضباط الحزبي والتنظيم والعقيدة، بات يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً: التكاثر عبر الانقسام.

كلما وقع خلاف، لا يكون السؤال كيف نُبقي المؤسسة موحدة، بل كيف نُنشئ مؤسسة أخرى تحمل الاسم نفسه، وتملك روايتها الخاصة عن الشرعية، وتنتخب رئيسها الخاص. وهكذا، بدل أن يكون الحزب أكبر من الأشخاص، يصبح الأشخاص أكبر من الحزب. وبدل أن تكون المؤسسات وسيلة لحماية الفكرة، تتحول الفكرة نفسها إلى ورقة في الصراع على المؤسسات.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أنّ هذا كله يحصل داخل حزب قام جزء أساسي من خطابه على مواجهة التجزئة والانقسامات، وعلى فكرة الأمة الواحدة التي تتجاوز الحدود والكيانات والانقسامات الصغيرة. لكن يبدو أنّ تطبيق الوحدة أصعب بكثير من التنظير لها.

وهكذا يكون لبنان قد نجح مرة جديدة في اختراع نموذج لا وجود له في كتب العلوم السياسية: حزب واحد، خمسة رؤساء، وعدد غير محدد من الفروع.

ربما يحتاج الحزب، بعد كل هذه الانقسامات، إلى إعادة النظر بوجوده ككل. فعندما يصبح لكل خلاف فرع، ولكل فرع رئيس، ولكل رئيس شرعية، تصبح المشكلة أبعد من خلاف تنظيمي.  تصبح سؤالاً عن معنى المؤسسة نفسها. قد آن أوان إقفال كافة فروع الحزب القومي.