«يروحو ١٠٠ ضيعة» .. الجنوب رقم في حساب سحر غدار

«يروحو ١٠٠ ضيعة» .. الجنوب رقم في حساب سحر غدار

  • ٠٨ تشرين الأول ٢٠٢٦

الضيعة وحدة قابلة للشطب، والسلاح أصل لا يُمسّ. هي لا تقول نخسر القرى مكرهي، بل تقول نفضّل خسارتها.

في لبنان اليوم جنوبيتان. الأولى إبنة النبطية، وقفت أمام رئيس الحكومة وقالت: «بدنا الانسحاب بالتفاوض»، فنالت التخوين. والثانية لا يزعجها أن تدمّر وتهجّر مئة ضيعة، ما دام السلاح باقياً. الأولى متهمة، والثانية بطلة.

لكن الردّ جاء من عقر دار البيئة على ما وُصف بـ«جعدنة» سحر غدار. كون كلامها قصة احتلال يستدعي احتلالاً أكثر.

قالتها غدار ببساطة، فانفجرت العاصفة:

«اذا يروحو ١٠٠ ضيعة احسن ما يروح يلي رجَّع ١٠٠ ضيعة»

والمقصود حزب الله. وحين اشتدّت الانتقادات، لم تتراجع.

الجملة ليست زلّة لسان، إنّها معادلة فالمعالجة الشائعة تقف عند خشونة العبارة، وهذا تبسيط. ففي الجملة بنية حسابية كاملة: الضيعة وحدة قابلة للشطب، والسلاح أصل لا يُمسّ. هي لا تقول نخسر القرى مكرهين، بل تقول نفضّل خسارته.

 وفي هذا الفرق ينتقل الكلام من وصف المأساة إلى تبنّيها بوصفها سياسة. ومن يتبنّى سياسة تُدفع كلفتها من حياة آخرين عليه أن يشرح بأي صفة يوقّع عنهم. وفعل الخسارة مبني للمجهول «يروحو». لا فاعل ولا مسؤول ولا ضحية بوجه.

الضيعة تختفي كما ينقطع التيار الكهربائي، حدث عابر واعتيادي بلا فاعل، لا كما تُهجَر العائلات. هذه لغة تجرّد الخسارة من أصحابها، فحين يغيب الفاعل ويغيب الضحية، تصير الخسارة على كل المستويات معلومة تتداول لا مأساة، وتصير الكلفة قابلة للتداول في السياسة كما تُتداول الأسعار.

والأرقام هنا ليست مجازاً. قبل أشهر فقط، نشرت إسرائيل خريطة لمنطقة أمنية احتلتها قواتها على مساحة تقارب ٦٠٠ كيلومتر مربع، وأدرجت ٥٧ بلدة وقرية ضمن مناطق طُلب من سكانها إخلاؤها. حيث خلف كل قرية أهل، وخلف كل أهل بيت قد لا يكون موجوداً في الصباح.

قبل أيام من كلام غدار، وقفت ابنة النبطية عبير مروة أمام رئيس الحكومة نواف سلام  خلال زيارته للنبطية وقالت:

«نحنا ولاد النبطية وعنا شهداء بس نحنا معك بدنا لبنان بدنا الانسحاب بالتفاوض بدنا يتعمر لبنان بالتفاوض»

فماذا كان الجواب؟ حملة تخوين، وتشكيك في حقها بالكلام باسم الجنوب. أما الإعلامية القريبة من حزب الله، فلا بأس عندها. هي بطلة.

المقارنة بين المشهدين تكشف أنّ المشكلة ليست في حدّة الكلام. امرأة جنوبية تطلب الانسحاب والإعمار بالتفاوض بلغة هادئة، فتُخوَّن. وأخرى تتحدث بلغة التضحية المفتوحة على حساب غيرها، فتُرفع. المعيار إذن ليس الانتماء الجغرافي ولا حتى الكلفة التي دفعها صاحب الكلام. المعيار هو من يوافق على التمسك بالسلاح هو «ابن الجنوب»، ومن يرفضه مشكوك بأمره. وهذا يعني عملياً أنّ «تمثيل الجنوب» صار امتيازاً يُمنح ويُسحب، لا حقاً لأهله جميعاً.

وكما هو معلوم أنّ المخاوف السياسية من توسّع إسرائيل في سيطرتها، إذا انهار المسار التفاوضي، باتت جدية وليست احتمالاً. وحين تتبدل الجغرافيا في زمن الهزائم عمّا كانت عليه في زمن الانتصارات الذي تحدثت عنه غدار، يفترض أن يُسأل: ماذا يبقى من قضية الجنوب، إذا بقي السلاح وذهبت الأرض؟