في ذكرى «السيكو» .. حزب الله المستضعَف

في ذكرى «السيكو» .. حزب الله المستضعَف

  • ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

تخيّل، يا «سيكو»، أنّ فرقة عادية من قوى الأمن الداخلي تصادر حمولة من المتفجرات مرتبطة بحزب الله!

قبل خمس سنوات، نزلت مجموعات من حزب الله و حركة أمل إلى شوارع الطيونة وعين الرمانة - الشياح، للاعتراض على التحقيقات في جريمة انفجار مرفأ بيروت. لم يكن المشهد مجرّد تظاهرة احتجاجية عادية، بل رافقته اعتداءات على الأهالي وتكسير للمحال والسيارات، قبل أن ينتهي بمواجهات دامية سقط فيها سبعة من مناصري الثنائي.

كان المطلوب عام ٢٠٢١ إخضاع القضاء بالشارع، وتذكير اللبنانيين بأنّ هناك من يستطيع أن يفرض إرادته بالقوة. لكنّ الرسالة انقلبت على أصحابها. فبدلاً من أن تكون الطيونة وعين الرمانة مسرحاً لاستعراض فائض القوة، تحوّلت إلى مشهد كشف أنّ هذا الفائض ليس ضمانة للانتصار، وأنّ اللبنانيين الذين يرفضون الترهيب ليسوا جميعاً مستعدّين للاستسلام.

ومن بين القتلى، برز اسم «السيكو»، الرجل الذي ارتبطت صورته بمحاولة استخدام قاذف «آر بي جي» في المواجهات. ولعلّ من حسن حظّه أنّه رحل قبل أن يرى ما حلّ بالحزب الذي خرج إلى الشارع دفاعاً عنه. مات وهو يظنّ أنّ حزب الله قوة لا تُردّ، وأنّ الآخرين لا يملكون سوى الخضوع لمشيئته. لم يشهد كيف بدأت هذه الصورة تتهاوى، ولا كيف تحوّل الحزب، الذي أراد إخافة اللبنانيين في شوارع العاصمة، إلى حزب يبحث عن مخارج من أزماته العسكرية والسياسية.

ربما كان من حسن حظّ «السيكو» أنّه لم يعِش ليرى الحزب مستضعَفاً.

في الحروب الأخيرة مع إسرائيل، تلقّى حزب الله ضربات قاسية، وخسر قيادات وقدرات عسكرية، وانكشفت حدود ما كان يقدّمه لجمهوره بوصفه ردعاً لا يُخترق. لم تعد المسألة مجرّد سجال حول من انتصر في خطاب أو من رفع سقف التهديد أكثر من غيره، بل هناك واقع ميداني فرض أسئلة ثقيلة عن جدوى السلاح، وكلفة الخيارات، والمسافة بين الشعارات والقدرة الفعلية على حمايتها.

والمفارقة أنّ الحزب الذي أراد، في الطيونة وعين الرمانة والشياح، أن يذكّر اللبنانيين بأنّ لا أحد يستطيع الوقوف في وجهه، بات هو نفسه مضطراً إلى التعامل مع واقع لم يعد فيه قادراً على فرض شروطه كما اعتاد. إسرائيل اختبرت قدراته، واللبنانيون أعادوا طرح سؤال الدولة، والسلطة السياسية لم تعد تتعامل مع مطالبه وتهديداته باعتبارها أوامر واجبة التنفيذ.

ثم جاءت المفاجأة التي ربما لم تكن تخطر ببال المرحوم «السيكو»: الدولة اللبنانية تستطيع أن تتحرّك أيضاً.

تخيّل، يا «سيكو»، أنّ فرقة عادية من قوى الأمن الداخلي تصادر حمولة من المتفجرات مرتبطة بحزب الله! لا الجيش اللبناني، ولا قوة ضاربة، ولا وحدة كوماندوس، ولا عملية أمنية استثنائية. قوى الأمن الداخلي، بكلّ بساطة، تقوم بعمل أمني.

أين ذهبت الهالة؟ وأين اختفت تلك الصورة التي تجعل الاقتراب من سلاح الحزب أشبه بإعلان حرب، وتحوّل كلّ إجراء تتخذه الدولة إلى أزمة وطنية، وكلّ محاولة لتطبيق القانون إلى مغامرة محفوفة بالتهديدات؟

طبعاً، لم يصبح حزب الله بلا قوة، ولم تستعد الدولة اللبنانية سيادتها كاملة، ولم يُحسم ملف السلاح بعملية مصادرة واحدة. لكنّ ما تغيّر هو أنّ الحزب لم يعد قادراً على افتراض أنّ الجميع سيتراجعون أمامه. وما كان يُقدَّم بوصفه خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه، صار موضع اختبار. وهذه وحدها علامة على تبدّل المشهد.

المشكلة بالنسبة للحزب ليست فقط في الضربات التي تلقّاها، بل في تراجع قدرته على تحويل قوته العسكرية إلى نفوذ سياسي مطلق. فالسلاح الذي مكّنه طويلاً من فرض شروطه على الدولة، بات يثير أسئلة أكبر عن كلفته ومشروعيته ومستقبل لبنان في ظلّه. والتهديد الذي كان كافياً لإسكات خصومه لم يعد يضمن النتيجة نفسها.

يا «سيكو»، لو كنت بيننا اليوم، لربما احتجت إلى إعادة النظر في بعض المسلّمات. كنت ستكتشف أنّ الحزب الذي نزلت إلى الشارع دفاعاً عنه ليس أقوى من الوقائع، وأنّ إسرائيل ليست بالضرورة كما صُوّرت لك في الخطب، وأنّ الدولة التي اعتُبرت عاجزة قد تتمكّن من التحرّك حين تتوافر الإرادة السياسية.

في ذكرى الطيونة، لا نحتفل بموت أحد، ولا بمقتل لبنانيين، ولا بالدم الذي سال في الشوارع. لكنّنا نتذكّر أنّ استعراض القوة انقلب على أصحابه.

أمّا «السيكو»، فربما ارتاح من كلّ هذا العناء. لقد غادر قبل أن يرى الحزب الذي أراد حمايته يتخبّط في أسئلة الردع والهزيمة والدولة، وقبل أن يشاهد عناصر من قوى الأمن الداخلي يصادرون حمولة متفجرات مرتبطة به.

من يدري، لو لم يُمت «السيكو» في الطيونة، لكان مات في انفجار جهاز «بايجر». في حزب الله، يبدو أن كل الطرق تؤدي إلى نفس النتيجة.