في صعوبات تحوّل مجتمع حزب الله إلى مجتمع لبناني عادي
في صعوبات تحوّل مجتمع حزب الله إلى مجتمع لبناني عادي
فهل يقرّ حزب الله بأنّ الهموم اللبنانية لها الأولوية على تحرير فلسطين وعلى البرنامج النووي الإيراني في صعوده وهبوطه لاسيما مع بدء الحديث عن ضمّ لبنان الى الإتفاقيات الإبراهيمية والذي هو مشروع نزاع جديد بين اللبنانيين بوجود ترامب في البيت الأبيض وذهنية إصدار الأوامر والتقيّد بها وإلا الجحيم.

إثر تشييع أمين عام حزب الله السيّد حسن نصر الله إعتقد كثيرون أنّه بدفن السيّد قد تمّ دفن المشروع السياسي والعسكري الذي حمله حزب الله طيلة أكثر من ثلاثة عقود، والذي بعد أن تمّت له السيطرة على الداخل اللبناني خرج به الى الإقليم ودقّ به أبواب ثلاث عواصم عربية.
كذلك كثُر الحديث عن مرحلة جديدة في لبنان كان من أولى ملامحها الإفراج عن إنتخابات رئاسة الجمهورية بعد تعطيل دام خمسة عشر شهراً، ومجيء قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية والقاضي نواف سلام رئيساً للحكومة من خارج تحالف المليشيات والمافيات، ومن خارج الطبقة السياسية التي رعاها وحماها الحزب ولعب معها ومن خلالها بمرتكزات الوجود اللبناني والتوازنات اللبنانية.
كذلك شُكلت حكومة من خارج حكومات الغلبة التي فرض الحزب رؤساءها ووزراءها وبياناتها الوزارية وسياساتها الخارجية والدفاعية والمالية والقضائية، والتي أدّت الى الكوارث التي عاشها اللبنانيون على اختلاف مشاربهم وانتماءتهم لاسيما الشيعة منهم. ولولا هزيمة حزب الله العسكرية وبالتالي السياسية لما أمكن الحديث عن مرحلة جديدة بتوازناتها الداخلية والإقليمية. هذه المرحلة التي توِّجت إقليمياً بهزيمة حماس في فلسطين وسقوط نظام الأسد في سوريا ومحاصرة الحوثيين في اليمن، وليّ الأذرع الإيرانية في الإقليم بعد عقود من التباهي بسيطرة طهران على أربع عواصم عربية، تشكل فيها بيروت درّة التاج على المتوسط وعلى الحدود الشمالية لإسرائيل.
صحيح أنّ إسرائيل قد تمكنت من القضاء عسكرياً على حزب الله وآلته الحربية كما تمكنت من اغتيال نخبة قياداته ودرّة التاج فيها السيد حسن نصرالله وتركت الحزب في حالة من الإرباك والضياع بحيث بات يعلو الهمس عن صراع أجنحة داخل الحزب المعروف بمتانة تنظيمه وتماسكه، ولكن إسرائيل كما يبدو الى الآن لم تستطِع القضاء على قوة تمثيله الشيعي وقدرته على التنظيم والتعبئة والحشد، وهذا ما كشفته حشود التشييع، التي حاولت التعويض عن الهيبة العسكرية، وهذا ما يزيد من صعوبة التعامل مع الواقع الجديد بعد دفن المرحلة الماضية بتوازناتها وسردياتها ولو حاول القادة الجدد للحزب ونوابه المكابرة ونكران هذا المستجد.
فالمرحلة الجديدة هي على أبواب مجهول سياسي رغم وضوح وجذرية الخطاب الرسمي للسلطة الجديدة، وستكون مرحلة كباش سياسي بامتياز بين الدولة بنسختها الجديدة وبين الثنائي من جهة، وبين القوى السياسية المناهضة لسياساته والمطالبة بنزع سلاحه من جهة أخرى.
وفي هذا السياق على القوى المعارضة للحزب الكفّ عن الرهان على صمت الرئيس برّي وعلى صراع شيعي - شيعي بين حركة أمل وحزب الله، رغم ظهور بعض التباينات بين الحين والآخر، لأنّ الحركة تعتاش على التوسط بين الحزب والأطراف المعارضة له داخلياً وخارجياً، فالأخ الأكبر لا يملك ترف الإملاء على الحزب، وهو الذي أكل وشرب حتى التخمة من حليب ولحم الدولة عبر المهمات التي أوكلها إليه الحزب من تفاوض مع الخارج، ومن تعطيل لعمل المؤسسات في الداخل.
فالطرفان اللذان يعرفهما اللبنانيون بإسم الثنائي الشيعي قد مارسا طوال عقود من التحالف والمساكنة كلّ أنواع الإبتزاز السياسي للداخل اللبناني وللخارج العربي والدولي معاً. وقد قيل الكثير عن البعد اللبناني للرئيس برّي والبعد الإيراني لحزب الله، ولكن اللبنانيين ومنذ زمن بعيد لم يلمسوا أي تناقض بين البعدين إذ اختزل البعد الإيراني كل الأبعاد الأخرى، وشكّل الثنائي كتلة نيابية وخدماتية وسلطوية متماسكة، كما شكّل كتلة بشرية متراصة صماء لا تقرأ إلا في كتابها ولا تسمع إلا صوتها ولا تخاطب إلا جمهورها، ولا يهمها سوى إرضائه والتبرير أمامه، وتأكيداً على ذلك وضع الرئيس برّي مؤخراً وعبر صحيفة الديار شروطاً وعوائق أمام العهد الجديد في خطوة إستباقية مستطيباً التحدّث نيابة عن الدولة اللبنانية التي تعوّد تغييبها وعلى طريقة «شحاد ومشارط» اللبنانية، يقول:« إنّ لبنان لن يقبل أي محاولات لمقايضة المساعدات بشروط سياسية أو عسكرية سواء أكانت متعلقة بسلاح المقاومة شمال الليطاني أو غيره من الملفات الداخلية».
فهو لم يقُل أنا لا أقبل أو هناك فئة من اللبنانيين لا تقبل وإنّما بكلام قاطع ورافض لأي رأي آخر مغاير حتى ولو كان لرئيس الدولة أو لرئيس الحكومة.
«إنّ لبنان لا يقبل» وذلك في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس جوزاف عون أمام الوفد الإيراني الذي زاره في القصر الجمهوري وكان يضمّ رئيس مجلس الشورى محمد باقر قليباف ووزير الخارجية عباس عراتشي قائلاً: « الشعب اللبناني وحده يحدّد سياسة بلده، حقبة لبنان كساحة حرب قد إنتهت، فهناك الآن رئيس دولة مسؤولة عن حدودها ومطارها وموانئها…وقد تعب اللبنانيون من حروب الآخرين على أرضهم..».
وفي الوقت نفسه يسخر نائب حزب الله حسن فضل الله من السياديين في معرض حديثه عن الخروقات الإسرائيلية في الجنوب والبقاع، كما يغمز من قناة رئيس الجمهورية الذي تحدّث عن تعب اللبنانيين من حروب الآخرين على أرضهم محدداً مهلاً معينة معطاة للدولة لتحقيق الإنسحاب الإسرائيلي مع دفتر شروط وتلميح بعودة المواجهة العسكرية في حال طال الإحتلال الإسرائيلي معطياً لنفسه الحقّ بالتحدث بإسم اللبنانيين، وكأنّه ما زال يملك مفاتيح قرار الحرب والسلم دون أي اعتبار منه لخطف القرار الوطني من يد الدولة، والذي هو بحدّ ذاته من أسوأ أنواع التعدّي على الدولة وعلى سيادتها على أراضيها.
لقد بات العديد من المحللين على قناعة بأنّ إنسحاب الجيش الإسرائيلي والذي يعمل عليه العهد الجديد بكل مصداقية موظفاً كلّ الدعم المحلي والدولي والعربي لتحقيق هذا الهدف، لن يحلّ سوى نصف المشكلة إذ هناك صعوبات وتحديات أخرى في انتظار العهد والقوى السياسية اللبنانية المعارضة لحزب الله، والتي يجب العمل على تذليلها بوضوح وحزم وحكمة وتتلخص هذه الصعوبات بالنقاط التالية:
١- صعوبة إقرار حزب الله بالمتغيرّات المحلية والإقليمية والدولية والتي تمنعه من إعادة وضع يده على الدولة والتحكّم بقراراتها إضافة الى استحالة إحتفاظه بفائض قوة السلاح بعد الهزائم العسكرية الأخيرة، وكذلك باستحالة إحتفاظه بفائض القوة السياسية الذي غرف منه طويلاً، فكأنّ الحزب في المرحلة الراهنة يحاول الإنحناء أمام العاصفة وشراء الوقت في انتظار تغيير ما في موازين القوى الجديدة. ولعل من أصعب ما يواجهه الثنائي بشكل عام ومعه اللبنانيون هو التعوّد على النطق بإسمه وبإسم من يمثل فقط، لا بإسم اللبنانيين لا سيما أنّ جوزاف عون هو غير ميشال عون ونواف سلام هو غير نجيب ميقاتي.
وهناك من يتساءل: هل يريد الحزب إنسحاب إسرائيل فعلاً من كل الأراضي اللبنانية عبر مساعدة الجيش في الإنتشار جنوبي وشمالي الليطاني لنزع الذرائع من إسرائيل، وهو الذي اخترع قصة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إثر التحرير سنة 2000 كذريعة لاستمرار المقاومة ومعها المشروع الإيراني.
٢- التناقض الواضح في خطاب حزب الله وفي إطلالات الشيخ نعيم قاسم تحديداً، إذ يتحدث عن لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه وكأنّه يتخلّى عن فكرة الدولة الإسلامية، وعن إعادة بناء الدولة التي عمل الحزب طوال عقود على تهشيمها وتعطيلها، وعن العمل السياسي تحت سقف الطائف «نعيش في وطن واحد وسنعيش معاً» وعن مسؤولية الدولة في التحرير وإعادة الإعمار، ليعود ويقول في حديث له على شاشة المنار «كلام رئيس الجمهورية حول حصرية السلاح لا نعتبره موجهاً لنا»، وليقول في مكان آخر إنّ القرار ١٧٠١ لم يتحدث عن السلاح شمال الليطاني، وأنّ هذا متروك لاستراتيجية دفاعية تناقش فيما بعد علماً أنّ غالبية اللبنانيين ترفض الحديث مجدداً عن هذه الإستراتيجية، وتعتبر أنّ القرارات الدولية قد تجاوزتها وبالتالي قد أصبحت من الماضي. فهل يدرك حزب الله أنّ عليه عدم مقابلة الخبث والأذى الإسرائيلي بخبث لبناني وبنظام تقيّة جديد يُظهر الى العلن ما لا يبطن في الداخل، بعد أن أعطى الثقة لحكومة يتحدث بيانها الوزاري عن حصرية السلاح.
وهكذا فإلى جانب مناشدة الدولة السعي الى انسحاب إسرائيل وإعادة الإعمار يقول الشيخ نعيم قاسم «من حقّ المقاومة أن تستمر لحماية لبنان» متجاهلاً وجود دولة لبنانية هي المسؤولة عن حماية لبنان واللبنانيين ومتنكراً لعدم فعالية سلاحه في المواجهة مع إسرائيل، كما ظهر في حرب الإسناد التي استدعت الإحتلال الإسرائيلي من جديد رغم تخصيص يوم الخامس والعشرين من شهر أيار من كل سنة عيداً لتحرير الجنوب من الإحتلال الإسرائيلي.
3- في مراجعة الحزب لما جرى خلال حرب الإسناد من اختراقات استخبارية في الحلقة الضيقة للحزب، تحدث نواف الموسوي عن قصور وتقصير ولكن أحداً لم يتحدث عن خطيئة الحزب المميتة في التسبّب بمآسٍ وويلات طالت اللبنانيين جميعاً والشيعة بوجه خاص، فأدبيات الحزب لا تعبّر عن ندم ولا عن التزام بتغيير السلوك منعاً لتكرار المآسي، ولا عن ترميم لعلاقة الحزب بسائر اللبنانيين الذين أساء لهم، ولا عن المسؤولية الجماعية في تحويل المقاومة الى أداة للسيطرة السياسية، ولا عن سلام موعود للبنانيين، ولا عن عدالة، كذلك لم يقدّم الحزب أي إعتذار عن الأذى والخراب الذي لحق بالناس نتيجة سيره في الركب الإيراني« سنمارس العمل المقاوم بالأساليب والطرق والتوقيت إنسجاماً مع المرحلة» هذا ما قاله الشيخ نعيم قاسم في تناغم واضح مع ما قاله خامنئي «سنزداد إستحكاماً وحافزاً أمام الضغوط والجرائم وستتسع دائرة المقاومة وتشمل كل المنطقة». فالسردية الجديدة للحزب تتحدث عن انتصار موهوم وفي نفس الوقت تتحدث عن مخاوف من العزلة والإقصاء، وهنا لا بدّ من التساؤل: من يقصي المنتصر؟
4- لا يزال الحزب يقرأ حرب الإسناد وكل حروبه عامة قراءة إيديولوجية وإيرانية، بدلاً من القراءة السياسية على ضوء المصلحة اللبنانية العليا، وإعادة تقويم الوقائع التي تفرزها هذه المواجهات، وهنا تبرز صعوبة إقتناع الحزب بأنّ دور السلاح قد انتهى وأنّ تحرير فلسطين ليست من مسؤوليته، وأنّ لبنان بلدٌ تعدّدي حيث لا يستطيع فريق واحد تحديد مصائر سائر اللبنانيين وفقاً لمعتقداته، لا سيما بعدما بيّنت حرب الإسناد أنّ العالم بأجمعه وقف مع إسرائيل، وكان حزب الله وحيداً في المواجهة غير المتكافئة تكنولوجياً وعسكرياً. وهنا تبرز صعوبة تحوّل الحزب العسكري الى حزب سياسي، وصعوبة إنخراط البيئة ودمجها في المجتمع اللبناني، هذه البيئة التي عمل على تنشئتها وتنظيمها وأدلجتها وتربيتها على أنّهم «أشرف الناس» وأنّ «الآخرة خير من الدنيا»، وأنّ الله معهم دون سواهم، وأنّ من يموت يكون مستشهد سعيداً، وأنّ كتمان الألم هو واجب عقائدي وديني.
كما تبرز صعوبة إستبدال خطاب الكراهية بخطاب لاعنفي يتقبّل حقّ وحريّة الإختلاف وعدم إلغاء المختلف بالوعيد أو بالإقصاء أو بالتصفية. فالأجيال الشابة التي تمت تربيتها على أنّ الخصومة السياسية هي عداوة وليست أمراً عادياً في بلد تعدّدي مثل لبنان هي بحاجة الى إعادة تأهيل والى التعوّد على مفردات ومصطلحات وقاموس سياسي وحياتي جديد يتناسب مع أفول نجم السلاح ليتمّ بعد ذلك الخروج من مجتمع الحرب النقيض الى المجتمع اللبناني العادي، إضافة الى أهمية الفصل الإيديولوجي بين العمل السياسي في لبنان وإملاءات الحرس الثوري الإيراني وولي الفقيه حتى لا يصحّ ما قاله يوماً محمد الماغوط: «عمرها ما كانت مشكلتنا مع الله وإنّما مشكلتنا مع الذين يعتبرون أنفسهم بعد الله» علماً أنّ في الدنيا أشياءَ بسيطة وجميلة تستحق العيش من أجلها.
5- صعوبة دخول الدولة الى المناطق الحزبية المقفلة أمنياً وتربوياً وإقتصادياً ومؤسساتياً، هذه المناطق التي لها دورتها الإقتصادية الخاصة بها، فالمستفيدون من بقاء الدويلة يصعب إقناعهم بأنّه قد أصبح للبنان دولة يُعاد بناؤها ويمكن أن تستوعب جميع أبنائها، وهي المسؤولة عن شؤون البلاد والناس، كما تبرز صعوبة أخرى في استيعاب أفواج المقاتلين إذا ما تمّ تسليم السلاح والانتقال الى العمل السياسي دون سواه.
وكذلك استيعاب البطالة الناجمة عن تجفيف مصادر التمويل إضافة الى صعوبة إندماج المقاتلين في الحياة المدنية العادية بعد عقود من التعبئة الإيديولوجية والحربية والغيبية.
6- ولعل أبرز التحديات التي تواجه لبنان هي في أن تكون عقلية الشرّ التي يمثلها اليمين التوراتي المتطرّف الإسرائيلي هي الضامن للتغيير، علماً أنّ انتصار إسرائيل في أي مواجهة عسكرية هو لها وحدها دون أي شريك، فلا يتوهمن أحدٌ أنّ إسرائيل تعمل لمصلحته.
فهل يقرّ حزب الله بأنّ الهموم اللبنانية لها الأولوية على تحرير فلسطين وعلى البرنامج النووي الإيراني في صعوده وهبوطه لاسيما مع بدء الحديث عن ضمّ لبنان الى الإتفاقيات الإبراهيمية والذي هو مشروع نزاع جديد بين اللبنانيين بوجود ترامب في البيت الأبيض وذهنية إصدار الأوامر والتقيّد بها وإلا الجحيم.
فحزب الله لم ينتهِ وإنّما دور السلاح ووهم القدرة على ردع إسرائيل قد انتهى، ولا يزال بإمكانه توريط البلاد في صراعات ونزاعات جديدة جنوباً وشرقاً برعاية إيران، لذا لا بديل عن الحوار بين اللبنانيين وإشراكهم في نقاش علني وصريح من قبل الحزب، يتناول مسؤوليته الجماعية في الأحوال التي آل إليها لبنان سياسياً واقتصادياً وعمرانياً بدلاً من توجيه غضب الناس باتجاه الدولة الطريّة العود واللبنانيين الآخرين المعارضين لسياسات الحزب. وبدلاً من إستبدال المواجهة مع إسرائيل بالتهديد بحرب أهلية.
وهذه التحديات هي مطروحة على الحزب وعلى القوى السياسية الحريصة على عيش اللبنانيين معاً، فتحالف الطوائف مع الخارج والهروب الى الأمام قد أنهكا اللبنانيين جميعاً.

