نهاية «حسون».. طوائف سوريا في خدمة الأنظمة

نهاية «حسون».. طوائف سوريا في خدمة الأنظمة

  • ٣١ آذار ٢٠٢٥
  • جو حمّورة

لطالما كان الصراع على سنّة سوريا أقوى وأكثر وضوحاً من الصراع على بقية الجماعات فيها. فالطوائف، في الشرق، ليست مجرد جماعات إيمانية حصراً، بل هي جماعات سياسية لها أفكارها وهويتها وقوتها، كما مصالحها ومخاوفها وطموحاتها. الجماعات تقاتل طبعاً، لكن يُتقاتَل عليها أيضاً، فتصبح أدوات في تثبيت حكم ما أو في تقويض آخر.

ads

 

استخدم نظام «البعث» في سوريا كل جماعة بأسلوب مختلف، وبشكل يؤمّن له الشرعية والاستدامة. أعطى «آل الأسد» الدروز الحماية من إسرائيل وبعض المكاسب في السلطة، وتحديداً في المراكز العليا في الجيش، كما ترك لهم حرية الإيمان والعبادة. أما المسيحيون والإسماعيليون فعرَضهم كزخرفة أمام الغرب، كما بث فيهم الرعب من الأكثرية السنّية، جاعلاً منهم دمى تتحرك كما يشتهيه النظام. كذلك الأمر، استخدم  نظام «آل الأسد» العلويين إلى أقصى حد، فأعطاهم المكانة والجاه والسطوة والسلطة، وحوّلهم عموداً فقرياً لحكمه، رابطاً دوام بقائهم بدوام بقائه. وحدهم الأكراد، كجماعة، أعفوا أنفسهم من أن يكونوا أداة بيد النظام، فحافظوا على استقلالية قرارهم ونديتهم مع السلطة القائمة.

 

أما السنّة، فكان الاهتمام بهم خاصاً، بحكم أكثريتهم العددية وتوزعهم الجغرافي الممتد على كامل المساحة السورية. أعطاهم «آل الأسد» دوراً مهماً في التجارة، فتشابكت مصالح الطبقة البرجوازية السنية، المدنية تحديداً، في دمشق وحلب وغيرهما، مع مصلحة النظام. هم استفادوا من الدور التجاري المهم وعائداته، فيما استفاد النظام بتأمين الشرعية الشعبية والموارد المالية وغيرها من المصالح.

 

ولأنّ السطوة على الطائفة لا تكتمل من دون الجانب التنظيمي، كان دور مفتي الجمهورية السابق أحمد حسون، الحلبي المنشأ، تأكيد سطوة بشار الأسد على الطائفة السنية. لم تكن وظيفته الحقيقية التي ارتضاها هي الفتوى بشؤون الدين وحسب، إنّما أن يكون حلقة وصل بين الحكم وبين الطائفة، فيؤمّن سكون الجماعات الدينية والمشايخ إن تجرأوا على مقارعة النظام، كما يؤمّن عيناً تراقب أي تمرد سني شعبي ضد الحكم.

 

ومع تغيير النظام ووصول جماعات سنية جديدة إلى الحكم في سوريا، مع ما عناه هذا الأمر من انفلات الطائفة السنّية من براثن آل الأسد، بات دور حسون وحضوره حتى في حكم المنتهي. إنّ شرعية الحكم الحالي الذي يتسيّد عليه الرئيس أحمد الشرع، لا يمكن أن تكتمل من دون إنهاء دور حسون والإقتصاص منه، فكان اعتقاله متوقعاً و «طبيعياً» في السياق السوري السائد حالياً، وتجسيداً حقيقياً للمثل الغربي القائل: «أحياناً، قبل أن يحل الجديد، يجب أن يطوى القديم».

 

في هذا السياق، لم يكن أحمد حسون مجرد مفتي سابق، بل كان في جوهره جزءاً من الآلة السياسية التي يحركها بشار الأسد لضمان استمرارية حكمه. كان جزءاً من ديناميكية معقدة تهدف إلى استيعاب الجماعات المختلفة وتحويلها إلى أدوات تساهم في استقرار النظام. وقد نجح هذا الأخير في استخدام هذه الجماعات، بعضها بشكل مباشر، وغيرها عبر المصالح، لتشكيل صورة مزيفة للوحدة الوطنية في سوريا، بينما كان في الواقع يعمّق التصدعات الطائفية ويؤكد على هيمنة طرف واحد على كل الأطراف.

 

لكن مع التغييرات الكبرى التي شهدتها سوريا مع اندلاع الثورة وما تلاها من توازنات جديدة بحكم الحرب، بدأت المعادلة تتبدل. فقد بدأت تظهر جماعات سنية جديدة، أكثر طموحاً وأكثر جرأة، ترفض أن تكون مجرد دمى تحركها السلطة. لا مناص من الإقرار بأنّ الأكثرية الثائرة على حكم الأسد كانت سنية الهوية والإنتماء، فيما كانت أدوار الجماعات الأخرى عرضية أحياناً أو متأخرة أغلب الأحيان. ومع تزايد الرفض الشعبي لنظام الأسد، وجد أحمد حسون نفسه في وضع حرج، فزاد من عصبويته في الدفاع عن النظام حتى بات لقبه المعمم هو «مفتي النظام».

 

ورغم محاولات النظام تقوية قبضته على الجماعات المختلفة عبر مسارات سياسية متنوعة، إلا أنّ صراع الطائفة السنّية داخل المشهد السوري كان قد دخل، إلى غير رجعة، في مرحلة جديدة، ففقد النظام تدريجياً قدرته على فرض السيادة المطلقة عليها وعلى كافة الطوائف. ومع دخول اللاعبين الجدد في المعادلة السورية، ومنهم شخصيات سنّية ذات توجهات مختلفة، بدأ النظام يشعر بأنّ دوره قد أصبح مهدداً. وحسون، الذي كان ذات يوم أداة النظام لإبقاء الطائفة السنية تحت السيطرة، قد أصبح أحد رموز هذه السيطرة، وبالتالي كان من الطبيعي أن يُستبعد ويعتقل في المرحلة الجديدة من تاريخ سوريا الحديث.

 

إنّ الإعتقال المتوقع لحسون لم يكن فقط إنتصاراً للتيار السنّي الجديد في سوريا، بل كان تأكيداً على أنّ الطائفة السنّية في طور الإنتقال من هيمنة النظام القديم إلى الهيمنة على النظام الجديد، واستطراداً الهمينة على كامل المشهد الديني والسياسي في البلاد. وهذا أيضاً كان إشارة واضحة إلى أنّ سوريا الجديدة، التي يروج لها البعض بأنّها ستكون مدنية علمانية حرة وبقية تلك الشعارات المزيفة التي لا تعني الكثير على أرض الواقع، ستبنى على أسس قديمة، ربما أكثر تمثيلاً للواقع السوري المتنوع، ولكن دون أن يعني ذلك بالضرورة انحسار الصراع على السلطة أو تحرر الجماعات الدينية من سطوة الحكم.

 

في النهاية، كانت نهاية حسون عبر اعتقاله الأسبوع الماضي تعبيراً عن لحظة فارقة في تاريخ سوريا، هي لحظة من الصراع المستمر على الهوية والمستقبل، حيث لا مكان للحياد، ولا ضمان للإستقرار في ظلّ تلك الصراعات. وبعد فترة من الاعتقال، سيعيّن الشرع مفتيين جدد، لن يكونوا سوى نسخة أخرى من حسون، فتكون وظيفتهم الأساسية والأهم هي تأمين الشرعية والشعبية وعدم التمرد على الشرع أو على حكمه، فتؤكد المؤكد بأنّ تغيير الأفراد والحكم لا يعني البتة أنّ أسلوب الحكم يتغيّر بالضرورة.

ads
ads