قاسم والحريري .. لا «شهيد» ولا «بطل»

قاسم والحريري .. لا «شهيد» ولا «بطل»

  • ١٧ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

ما يجمع الحريري وقاسم، العجز عن مطابقة الدور مع المتوَقع. الأول لا يشبه «الإمام البطل» الذي تنتظره الطائفة السنّية في لحظة عجز وضياع، والثاني لا يستطيع أن يكون امتداد «الإمام الشهيد» في بيئة لا تعترف بالنسخ الباهتة.

في كتاب «إمامة الشهيد وإمامة البطل»، لا يقدّم عالم الإجتماع فؤاد إسحاق الخوري درساً أكاديمياً جافاً في أنماط القيادة، بل يضع إصبعه على العصب الحي للعلاقة بين الجماعة وزعيمها. القيادة عنده ليست موقعاً، بل صورة. ليست منصباً، بل تطابقاً نادراً بين ما تنتظره الجماعة وما يستطيع الشخص أن يجسّده.

السنّة، وفق هذا المنطق، يميلون إلى «إمام بطل» حيّ، حاضر، حازم، يجمع السياسة بالقوة والرمزية. أما الشيعة، فيبنون قيادتهم حول «إمام شهيد»، تُنتج شهادته شرعية تتجاوز الحياة نفسها. ومن هذه الزاوية، يصبح المأزق القيادي الراهن في لبنان أكثر وضوحاً، وخصوصاً عند رأسَي الهرم السنّي والشيعي سعد الحريري ونعيم قاسم.

حين «عاد» الحريري إلى لبنان، لم يعد كما يعود القادة بعد فترة من الانكسار، بل كما يعود المترددون. حضر، لكن صوته تأخر. لمّح إلى الإنتخابات، لكنه لم يفتح بابها. التقى خصوماً وحلفاء، لكنه لم يفرض إيقاعاً، وعيّن عمته نائباً له في «تيار المستقبل». بدا الرجل كمن يعيد ترتيب المفاتيح لا كمن يقرر أي باب سيُفتح أو أ ي طريق سيسلك.

في منطق الخوري، هذه ليست صفات «إمام البطل». الزعيم السنّي، في لحظة تراجع وانكشاف، يُفترض أن يكون من يسبق جمهوره بخطوة، لا من يسير خلفه بحذر. أن يصطدم حين يجب، وأن يحوّل الإحباط الجماعي إلى مشروع، لا إلى إدارة وقت. لكن الحريري، في نسخته الراهنة، يبدو أقرب إلى مدير إرث منه إلى قائد مرحلة. لا خطاب تعبوي وسياسي جاد، لا رؤية جامعة، ولا استعداد لتحمّل كلفة المواجهة.

هكذا، يتحول الفراغ السنّي من أزمة ظرفية إلى حالة مزمنة. لا لأنّ الطائفة عاجزة، بل ّلأن من يفترض أن يملأ صورة «البطل» اختار الوقوف في المنطقة الآمنة: إدارة بلا مغامرة، حضور بلا صدام، وقيادة بلا أثر. لا عجب حين يُرى سنّة لبنان متعطشون إلى زعيم جدي، فتراهم ساعة يحبون أحمد الشرع، وأخرى رجب طيب إردوغان وغيرها محمد بن سلمان، أو يعشقون صدام حسين، وساعات أخرى ينتظرون الحريري بمظهر «البطل»، لكن لا يجدونه كذلك.

على الضفة الأخرى، تبدو المشكلة معكوسة شكلياً، لكنها متشابهة في الجوهر. بعد مقتل حسن نصرالله، انتقلت الأمانة العامة في «حزب الله» إلى نعيم قاسم. انتقال هادئ، منظّم، بلا مفاجآت. نائب أمين العام بات أميناً عاماً. بدا الأمر كأنّه انتقال إدارة، لا انتقال زمن.

في منطق «إمامة الشهيد»، لا تبحث الجماعة الشيعية عن «بطل» جديد، بل عن وريث قادر على حمل إرث الشهادة. لكن المشكلة أنّ الشهادة لا تُورَّث، والرمز لا يُستنسخ. قاسم ليس «شهيداً»، ولا يمكنه أن يكون، حتى وإن مات. هو مجرد عابر لا يرقى البتة لعشق الشيعة وهيامهم بحسن نصرالله. هو منظّر ومنظّم، لا أيقونة. حارس شيئ قائم، لا صانع معنى جديد.

يقف الرجل في موقع ثقيل: حضور الرمز القديم أقوى من حضوره، والمرحلة الراهنة أكبر من الأدوات. قاسم حذِر، لا يخطئ كثيراً، لكنه لا يضيف. لا يفعل شيئاً مؤثراً ولا يفتح أفقاً. وفي بيئة بُنيت شرعيتها على الدم والفداء واليقين المطلق، يصبح هذا النوع من القيادة انتقالاً تقنياً في لحظة كان يُفترض أن تكون وجودية.

ما يجمع الحريري وقاسم ليس المذهب، بل العجز عن مطابقة الدور مع المتوَقع. الأول لا يشبه «الإمام البطل» الذي تنتظره الطائفة السنّية في لحظة انكشاف، عجز وضياع، والثاني لا يستطيع أن يكون امتداد «الإمام الشهيد» في بيئة لا تعترف بالنسخ الباهتة.

في الحالتين، لا تُمارَس القيادة بوصفها فعلاً تأسيسياً، بل تتحوّل إلى إدارة للموجود. لكن المجتمعات، كما يذكّرنا فؤاد إسحاق الخوري في كتابه، لا تعيش على الانتظار طويلاً. حين يغيب القائد الذي يجسّد الصورة المطلوبة، لا يبقى الفراغ فراغاً، بل يُملأ بعد فترة، أكان بزعامات طارئة، أم بتطرف قاتل، أم بانسحاب جماعي من السياسة بوصفها فعلاً بلا جدوى.