أين الحوثيون من حرب إيران؟

أين الحوثيون من حرب إيران؟

  • ١٧ آذار ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

قد لا يكون غياب الحوثيين عن الحرب الحالية مجرد تردد عسكري، بل نتيجة حسابات دولية معقدة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإقليمية.

مع اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، سارع الحوثيون في اليمن إلى إعلان دعمهم الكامل لطهران. ففي الأيام الأولى من التصعيد، خرجت قيادات الجماعة بتصريحات تؤكد استعدادها للانضمام إلى ما وصفته بـ«محور المقاومة» في مواجهة أي تحالف عسكري يستهدف إيران.

لكن بعد مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع المواجهة، يبرز سؤال واضح في الأوساط السياسية والعسكرية: أين الحوثيون؟ فحتى الآن لم تشهد الجبهة اليمنية أي تصعيد فعلي يتناسب مع حجم التصريحات التي صدرت في بداية الحرب.

اللافت أنّ أطرافاً أخرى في المحور نفسه دخلت بالفعل على خط المواجهة. فقد شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً بعد انخراط حزب الله في القتال، كما بدأت بعض الفصائل العراقية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تنفيذ عمليات ضد أهداف مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة. في المقابل، بقي الحوثيون في حالة صمت شبه كامل، من دون أي عمليات نوعية أو تحركات عسكرية واسعة تشير إلى دخولهم الفعلي في الحرب.

ووفق معطيات نقلتها مصادر دبلوماسية أمريكية، فإنّ هذا الغياب لا يبدو صدفة، بل يرتبط بعاملين أساسيين.

العامل الأول يتصل بتطور جيوسياسي جديد في القرن الإفريقي. فبحسب هذه المصادر، فإنّ الاتفاق الأخير بين إسرائيل وإقليم أرض الصومال يتيح لتل أبيب إنشاء قاعدة عسكرية في المنطقة. هذه القاعدة، في حال تثبيت وجودها، ستضع اليمن عملياً ضمن مدى عملياتي مباشر، ما يعني أنّ أي تصعيد حوثي واسع قد يعرّض الجماعة لضربات إسرائيلية مباشرة انطلاقاً من الضفة المقابلة للبحر الأحمر.

أما العامل الثاني، فهو أكثر حساسية ويتعلق باتفاق غير معلن بين الولايات المتحدة والحوثيين. فوفق المصدرين الأمريكيين، جرى التوصل إلى تفاهم غير مباشر يقضي بأن تمتنع الجماعة عن الإنخراط في الحرب الدائرة حالياً، مقابل عدم سعي واشنطن إلى إسقاطها عسكرياً في المرحلة الحالية.

وتشير هذه القراءة إلى أنّ واشنطن تنظر إلى الحوثيين من زاوية براغماتية بحتة. فوجود قوة مسلحة قادرة على التأثير في الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب قد يتحول في المستقبل إلى ورقة ضغط مفيدة في الصراع المتصاعد مع الصين، خصوصاً في ما يتعلق بخطوط الشحن والتجارة العالمية. كما أنّ بقاء الحوثيين لاعباً مؤثراً في اليمن قد يشكل أيضاً أداة ضغط غير مباشرة على المملكة العربية السعودية في توازنات المنطقة.

في ضوء ذلك، قد لا يكون غياب الحوثيين عن الحرب الحالية مجرد تردد عسكري، بل نتيجة حسابات دولية معقدة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإقليمية. وبين التصريحات العالية السقف في بداية الحرب والواقع الميداني اليوم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل هو صمت مؤقت بانتظار لحظة مناسبة، أم أنّ الجماعة قررت فعلاً البقاء خارج هذه المواجهة الكبرى والإنتقال إلى الضفة الأخرى من التحالفات؟