13 نيسان.. لماذا لا يُقفل باب الحرب في لبنان؟
13 نيسان.. لماذا لا يُقفل باب الحرب في لبنان؟
13 نيسان 1975، لم أعِش ذلك اليوم، لكنني أعيش نتائجه كل يوم
أنا من جيل وُلد بعد الحرب بعقد ونصف، جيل يُقال له إنّها انتهت عام 1990، لكنه لم يولد خارجها. جيل كبر على قصصها، على صورها، وعلى خوفٍ دائم من أن لا تكون قد انتهت فعلًا. بالنسبة لنا، لا يبدو 13 نيسان ذكرى بعيدة، بل احتمالًا مؤجّلًا. كأنّ هذا الباب لم يُقفل يومًا، بل تُرك مفتوحًا، يكفي أي توتر ليعيد فتحها.
ما قبل 1975 لم يكن لبنان مستقرًا كما يُروى لاحقًا. كانت الدولة تعيش على توازنات هشّة، في ظل حضور سلاح خارج سلطتها، ومع تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني من الأراضي اللبنانية، وانحياز فئة كبيرة من اللبنانيين لدعم هذا السلاح وأعلوا شأنه فوق لبنان، وما رافقه من احتكاك سياسي وأمني داخلي، دخل البلد في مسار تصادمي تدريجي لم تعد الدولة قادرة على ضبطه.
حادثة 13 نيسان لم تكن إلا الشرارة.أما النار فكانت ممتدة قبلها بسنوات: اشتباكات متنقلة، توترات متصاعدة، وانقسامات سياسية وهويات متقاتلة حول فكرة لبنان، دفعت البلاد تدريجيًا نحو الانفجار، حتى لحظة لم يعد بعدها الرجوع ممكنًا.
بعضهم دافع عن فكرة الدولة كما فهمها، وعن حقه في أرضٍ لا تُدار إلا بمؤسساتها، وبعضهم الآخر جزء من مشاريع تتجاوز لبنان، مرتبطة بصراعات أكبر من حدوده. لكن النتيجة كانت واحدة: لبنان ساحة، أكثر مما كان دولة قادرة على القرار.
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، لا يبدو أنّنا ابتعدنا كثيرًا: السلاح خارج الدولة لا يزال حاضرًا، بأشكال مختلفة. الانقسام السياسي لم يُحلّ، بل تعمّق. والتداخلات الإقليمية لم تخرج من لبنان، بل تبدّلت وجوهها. حتى الخطاب، الذي يتسرب الى جيلنا لا زال يحمل في طياته بذور الانفجار وهنا، السؤال الذي يفرض نفسه:لماذا، بدل أن يُقفل هذا الباب، يعود لينفتح كل يوم؟
لأنّ من تسلّم القرار لم ينهِ الحرب… بل علّقها.
لم تُحسم مسألة السلاح، بل تغيّرت أشكاله. لم تُبنَ دولة قادرة، بل تُركت ضعيفة أمام موازين قوى داخلها. لم تُعالج الانقسامات، بل أُعيد إنتاجها، بوجوه جديدة وخطاب متجدّد، لكن بالعقلية نفسها.
والأخطر أنّ الحرب لم تُهزم في الوعي، بل بقيت مبرَّرة عند البعض، ومخيفة عند البعض الآخر، لكنها لم تتحوّل إلى «درس نهائي» يمنع تكرارها.
نحن نعيش في بلد لم يتجاوز الحرب، بل تعلّم كيف يؤجّلها.ولهذا، لا يُقفل الباب.
لأنّ المفاتيح لا تزال نفسها: سلاح خارج الدولة، خوف متبادل، ثقة مفقودة، أمراء حرب حكموا، منطق الحرب قائم. وما نحتاجه قرار واحد يقول إنّ الماضي لم يمضِ علينا أن نعالجه لنخطو الى الأمام.
ربما جيلنا لم يختر هذا الإرث، لكن الخوف الحقيقي أن يُترك له الباب نفسه مفتوحًا على احتمال التكرار.

