هدنة بشروط مستحيلة.. الحرب «راجعة بإذن الله
هدنة بشروط مستحيلة.. الحرب «راجعة بإذن الله
الشروط مستحيلة، السلطة بطيئة، وإسرائيل تهدّد، والميدان يعيد ترتيب نفسه تحضيراً للآتي.
كل المؤشرات لا تكتفي بالإيحاء، بل تكاد تُعلن صراحة أنّ الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» عائدة. ما يجري اليوم ليس وقفاً لإطلاق النار بقدر ما هو تعليق مؤقت له، هدنة محكومة بشروط تعرف الأطراف مسبقاً أنّها لن تتحقق، وبالتالي، لن تُمدَّد. إنّها هدنة تُدار على قاعدة: ماذا سيحدث عندما تسقط، لا كيف يمكن إنقاذها.
فالإتفاق نفسه يربط استمراره بـ«إحراز تقدّم في المفاوضات» مع إسرائيل، وبأن«يثبت لبنان فعلياً قدرته على تأكيد سيادته». أي، بوضوح لا يحتاج إلى تفسير، الدخول في مسار تفاوضي سريع ومعقّد مع إسرائيل، وضبط حزب الله ميدانياً ومنع أي نشاط له خارج إطار الدولة.
لكن هذين الشرطين، بدل أن يكونا مدخلاً للإستقرار، يشكلان عملياً إعلاناً مبكراً عن سقوط الهدنة. لأنّ السلطة التي يُطلب منها تنفيذ ذلك لم تقُم حتى الآن بأي خطوة فعلية، وهي، للأمانة، لا تستطيع تنفيذ هذه الشروط بمهلة زمنية قصيرة جدا.ً. بل إنّ المشهد يكاد يكون ساخراً: أيام مرّت على بدء سريان الإتفاق، ومجلس الوزراء لم يجتمع بعد. دولة مطالبة بإثبات سيادتها.. لم تثبت بعد قدرتها على الاجتماع.
في المقابل، لا تبدو إسرائيل في وارد منح الوقت. الرسالة جاءت واضحة على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي عندما قال: «سنتحرك إذا لم تلتزم الحكومة اللبنانية بتعهداتها». هذا إنذار صريح، يضع الهدنة في إطار مهلة اختبار قصيرة، لا أكثر.
أما على الأرض، فالصورة أكثر فجاجة من أي نصّ دبلوماسي. عشية دخول الهدنة حيّز التنفيذ، دعا كل من الجيش اللبناني و«حركة أمل» في بيانات منفصلة الناس إلى عدم العودة سريعاً إلى الجنوب، إدراكاً لحساسية المرحلة. لكن ما حصل كان العكس تماماً.
لم يصدر حزب الله بياناً رسمياً يدعو إلى التريث، بل شجع الناس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على العودة. عاد الأهالي بدافع الحماس، وبشعور طبيعي بالرغبة في استعادة بيوتهم أو رؤيتها. وفي خضم هذه العودة، جرى إدخال مقاتلين جدد إلى الجنوب، مستفيدين من الزحمة البشرية كغطاء، ومن الفوضى كفرصة لإعادة التموضع.
ثم، في اليوم التالي، تغيّر المشهد. بدأ الطلب من المدنيين مغادرة الجنوب. وكأنّ الدور الذي أُنيط بهم قد انتهى. هنا، لا يعود الأمر تفصيلاً، بل يتحول إلى دلالة واضحة: الناس استُخدموا كوسيلة، كغطاء لعملية عسكرية تهدف إلى تبديل قوات منهكة، وإعادة تجهيز الجبهة لجولة جديدة.
بهذا المعنى، لا تبدو الهدنة سوى مرحلة انتقالية بين تعب وإعادة تعبئة. نصّ مشروط بشروط مستحيلة، بسلطة بطيئة، وتهديد إسرائيلي جاهز، وميدان يعيد ترتيب نفسه تحضيراً للآتي.
لبنان، مرة جديدة، لا يعيش نهاية حرب، بل استراحة بين واحدة وأخرى. تلك المفارقة التي لخصتها أغاني زياد الرحباني منذ زمن، تعود اليوم كواقع سياسي: الحرب «راجعة بإذن الله»، لا لأنّها مفاجأة، بل لأنّها لم تنتهِ أصلاً.

