نعيم قاسم لبري .. الأمر لي!
نعيم قاسم لبري .. الأمر لي!
بخطاب واحد، رسم نعيـم قاسم الحدود: القرار النهائي بيد قيادة حزب الله وإيران، حتى لو جاء ذلك على حساب حليف تاريخي بحجم نبيه بري
شكّل رئيس مجلس النواب نبيه بري طوال سنوات الحرب والسلم قناة التواصل الأساسية بين حزب الله والعالم الخارجي. فعندما كانت الأبواب تغلق بين الحزب والولايات المتحدة أو الدول الغربية، كان بري يتحول إلى الوسيط والضامن وصاحب القدرة على نقل الرسائل وإدارة المفاوضات. إلا أنّ التطورات الأخيرة أظهرت أنّ هذا الدور لم يعد كما كان، وأنّ الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بات أكثر استعداداً لتجاوز بري ووضعه جانباً عندما يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية.
بحسب معلومات دبلوماسية غربية، فإنّ الاتصالات التي سبقت التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير جرت بعيداً عن الإعلام وبمشاركة قطرية فاعلة. وتشير هذه المعلومات إلى أنّ مستشار الرئيس بري علي حمدان كان يتواصل مع الوسطاء القطريين الذين كانوا بدورهم ينقلون الرسائل، فيما كان بري يتولى إدارة التواصل السياسي مع حزب الله بهدف الوصول إلى تفاهم يوقف التصعيد ويمنع توسع الحرب.
وفي هذا السياق، يمكن فهم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما تحدث عن وجود تواصل مع حزب الله. فالمقصود لم يكن بالضرورة وجود قنوات مباشرة، بل شبكة من الوسطاء والرسائل المتبادلة التي مرّ جزء كبير منها عبر بري وفريقه السياسي. وهذا ما منح رئيس المجلس في تلك المرحلة موقعاً محورياً أمام الأميركيين والقطريين باعتباره الجهة القادرة على التحدث مع الحزب وإيصال المواقف إليه.
لكن المشهد تغيّر بصورة مفاجئة في الرابع من حزيران، عندما خرج نعيم قاسم في خطاب علني رافضاً وقف إطلاق النار بالشكل المطروح. هذا الرفض لم يكن مجرد موقف سياسي أو تفاوضي، بل حمل رسالة واضحة بأنّ الكلمة الأخيرة ليست لدى بري، وأنّ التفاهمات التي يجري العمل عليها لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة القيادة الفعلية للحزب.
وهنا تكمن أهمية ما حدث. فحين يكون بري منخرطاً في جهود دبلوماسية معقدة ويقدم نفسه أمام الوسطاء باعتباره القناة القادرة على تسهيل الحلول، ثم يأتي موقف معاكس من الأمين العام للحزب، فإنّ ذلك يضعف تلقائياً صورة بري أمام المجتمع الدولي.إذ إنّ الوسطاء الذين كانوا يعتقدون أنّ هناك موافقة ضمنية من حزب الله على التفاهم المتعلق بوقف إطلاق النار وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً.
كما يطرح هذا التطور تساؤلات عديدة حول طبيعة الدور الذي لعبه بري في هذه المفاوضات. فإما أنّه استنتج من تلقاء نفسه أنّ حزب الله مستعد للموافقة على وقف إطلاق النار من دون الحصول على موافقة نهائية وواضحة من قيادة الحزب، وإما أنّ قنوات التواصل بينه وبين القيادة لم تعد قادرة على نقل التوجهات الحقيقية أو فهمها بدقة. وفي الحالتين، تبدو النتيجة واحدة: تراجع قدرة بري على التأثير في القرار النهائي وخروجه من الدائرة الضيقة التي تصنع المواقف المصيرية.
ولعل الأخطر من ذلك أنّ خطاب نعيم قاسم بدا وكأنّه سحب من بري ورقة القوة الأساسية التي امتلكها لعقود، وهي ورقة القدرة على التأثير في قرارات حزب الله. فالرجل الذي كان يُنظر إليه على أنّه الشريك الشيعي الأول في أي تسوية وجد نفسه فجأة خارج دائرة القرار النهائي. كما أعاد الخطاب التذكير بأنّ القرار الاستراتيجي المتعلق بالحرب والسلم لا يصدر من المؤسسات السياسية اللبنانية، بل يبقى مرتبطاً بالمحور الإقليمي الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني، صاحب التأثير الأكبر على توجهات الحزب وخياراته الكبرى. وفي هذا المشهد ظهر نعيم قاسم بوصفه الناطق باسم هذا الخيار وصاحب الكلمة الحاسمة في الملف المطروح.
قد لا يكون هذا التحول نهائياً، لكن ما جرى في الأيام الأخيرة ترك انطباعاً واضحاً لدى العديد من الدوائر الدبلوماسية بأنّ نفوذ بري لم يعد كما كان، وأنّ موقعه كوسيط وضامن تعرّض لاهتزاز كبير. أما المستفيد الأكبر من هذا المشهد فهو نعيم قاسم الذي نجح، بخطاب واحد، في التأكيد أنّ القرار الأخير لا يزال بيد قيادة الحزب ومحوره الإقليمي، حتى ولو جاء ذلك على حساب مكانة حليف تاريخي بحجم نبيه بري.

