جيل هذه الحرب.. يرفض الميليشيات ويبحث عن غد لم يُعلنه أحد
جيل هذه الحرب.. يرفض الميليشيات ويبحث عن غد لم يُعلنه أحد
قيل له إنّ هذه حرب وجودية، حرب كرامة، حرب تحرير. لكنه سأل سؤالاً بسيطاً لم يجد له جواباً: تحرير من؟ وبقرار من؟ ولمصلحة من تحديداً؟
وُلد هذا الجيل محاطاً بظلال البارود، لم يشهد الحرب الأهلية لكنه استنشق رمادها كل صباح. نشأ على وقع خطب النصر المتكررة، وأغاني المقاومة التي تُعزف فوق أنقاض من لم يُسألوا قط إن كانوا يريدون هذه المعارك
ثم جاءت حرب ٢٠٢٦. حرب لم يُشعلها ولم يُطفئها. لم يُصوّت هذا الجيل على الحرب، لم تُعقد له ندوات، ولم يُستشر في قرار. أيقظه صوت الغارات فجراً كما أيقظ أباه وجدّه من قبل، وكأنّ لبنان محكوم بأن يتوارث أبناؤه حروباً لم يزرعوها إنّما يحصدون رمادها جيلاً بعد جيل.
قيل له إنّ هذه حرب وجودية، حرب كرامة، حرب تحرير. لكنه سأل سؤالاً بسيطاً لم يجد له جواباً شافياً: تحرير من؟ وبقرار من؟ ولمصلحة من تحديداً؟
أما الكرامة التي تُقدَّم كعنوان للحرب، فتُستهلك على الأرض في صورتها العكسية؛ تهجير، قصف، وانكسار يومي يُعاد إنتاجه باسمها. وبهذا المعنى، لا يعود شعار الكرامة توصيفاً أخلاقياً للحرب، بل يتحول إلى آلية تبرير، يُعاد تعريف الكرامة بحيث لا تُقاس بما يصيب الناس، بل بما يُطلب منهم احتماله. وهكذا كلما ازداد الانتهاك باسمها، ازداد استخدامها لتفسير ذلك الانتهاك.
المقاومة التي لم تسأله رأيه.
الإشكالية ليست في فكرة المقاومة، فلكل شعب حق الدفاع عن نفسه، ولا يختلف على ذلك إثنان. الإشكالية أنّ المقاومة في لبنان باتت مشروعاً سياسياً إقليمياً يُدار من عواصم بعيدة، تُحدد أهدافه طهران، ويدفع ثمنه الجنوبي الذي لم يُسأل، والبيروتي الذي لم يختَر، والشاب الذي وجد نفسه ذات صباح في قلب حرب لا يعرف تماماً لماذا اشتعلت اليوم بالذات.
فحزب الله لا يُشاور جمهوره، ولا يبلغه متى قرّر إطلاق صواريخه، يُعبّئه فقط. والفرق شاسع بين الاثنين.
الثمن يدفعه من لم يقرر.
في حرب ٢٠٢٦، كما في كل الحروب السابقة، يدفع الثمن من لم يجلس على طاولة القرار. المدينة التي تُقصف لا تُسأل إن كانت مستعدة، والأم التي تحمل طفلها وتنزح لا تملك حقّ الإعتراض. الشاب الذي حلم بمستقبل وجد نفسه أمام خيارين كلاهما مرّ؛ إما أن يُقاتل في حرب لم يفهم حدودها السياسية، وإما أن يقتل بغارة أو أن يصمت لئلا يُتهم بالخيانة. وهذه ليست سياسة. هذه ابتزاز وطني يُلبَّس عباءة المقاومة.
النقد الذي يُجرَّم
الأخطر في المشهد اليوم ليست الحرب، بل ما يحدث على هامشها. كل صوت يتجرأ على السؤال النقدي يُقابَل بتهمة جاهزة؛ عميل، خائن، يخدم العدو. كأنّ التفكير في زمن الحرب جريمة، وكأنّ المساءلة السياسية رفاهية ليست من حقّ شعب يحترق.
جيل يرى ما لا يُقال على الشاشات
غير أنّ هذا الجيل يملك ما لم يملكه أسلافه؛ الصورة الكاملة. يرى تصريحات المسؤول الإيراني في الصباح، ويرى غارة الجنوب في المساء، ويفهم الخيط الرابط بينهما. لا تنطلي عليه رواية تُصوّر حرباً إقليمية على أنّها دفاع وطني خالص، لأنّه يقرأ بلغات متعددة ويتابع مصادر لا تخضع للرقابة المحلية. يعرف أنّ القرار خرج من بيروت منذ زمن، وأنّ ما يُسمى «قرار المقاومة» يُتخذ في غرف لا يعرف عنوانها ولا يحقّ له دخولها.
لم يُعلن أحد عن نهاية هذه الحرب بعد. لكن هذا الجيل أعلن شيئاً آخر بصمته الغاضب، وبأسئلته التي لا تجد منابر تحتضنها؛ نحن لسنا وقود حروب لم نشعلها، ولن نكون آخر من يدفع ثمن قرارات لم نُستشر فيها. هذه بداية وعي سياسي لا تُطفئه السرديات والتهديدات.
لأنّ التاريخ، في لحظات كثيرة، لا يكافئ الصمت بل يعاقبه. فالشعوب التي امتنعت عن طرح الأسئلة في زمن الحرب، أو اكتفت بترديد الرواية الجاهزة، لم تكن في الغالب صاحبة القرار في لحظة ما بعد الحرب. بل وجدت نفسها أمام واقع تشكّل خارج إرادتها، ورُسمت حدوده بأدوات لم تشارك في صناعتها.
وهكذا لا تبدو المشكلة في الحرب وحدها، بل في الوعي الذي يُدار داخلها. من يطرح الأسئلة، ومن يؤجّلها، ومن يكتفي بالتصفيق. فحين ينتهي الضجيج، لا تبقى الشعارات، بل تبقى الوقائع وحدها، وغالباً ما تكون أقسى من كل ما قيل سابقاً.
