حزب الإنكار

حزب الإنكار

  • ٢٥ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

حزب الإنكار«والقائدُ الساديّ من مخبئهِ... يُفلسف الخراب». (نزار قباني)

 

الهزيمة العسكرية قد تكون قاسية، لكن الهزيمة الفكرية أشد قسوة. الأولى قد تُعالج بإعادة بناء جيش أو مراجعة استراتيجية، أما الثانية فتتحول إلى نمط حياة، حيث يصبح إنكار الواقع عقيدة، ويصبح الإعلامي والسياسي مجرد موظف في مصنع الأوهام.

بعد الحرب الأخيرة، تغيّر المشهد اللبناني جذرياً. الدولة اللبنانية استعادت زمام المبادرة، والجيش اللبناني بدأ يتسلّم، ولو تدريجياً، مسؤولياته في الجنوب، ضمن مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة ويهدف إلى انسحاب إسرائيلي مقابل انتشار الجيش اللبناني وترسيخ سلطة الدولة. ثم جاءت زيارة الرئيس جوزف عون إلى البيت الأبيض، ولقاؤه بالرئيس دونالد ترامب، لتؤكد أن لبنان الرسمي عاد يتحدث بلغة الدولة، لا بلغة المحاور.

لكن، في مكان آخر، لا يزال البعض يعيش في الزمن السابق. نعيم قاسم، المختبئ بعيداً عن الأضواء، يطل بين الحين والآخر بخطابات لا تعترف بما جرى. وكأنّ شيئاً لم يحدث. وكأنّ الجنوب لم يتبدل، وكأنّ الحزب لم يخسر معظم أوراق قوته العسكرية والسياسية. هنا يحضر بيت نزار قباني الذي يبدو كأنه كُتب خصيصاً لهذا المشهد: « والقائدُ الساديّ من مخبئهِ... يُفلسف الخراب».

ليس هناك وصف أدق من ذلك. فبدلاً من مراجعة التجربة، يُعاد إنتاج الخطاب نفسه، مع جرعة إضافية من المكابرة، بينما يدفع اللبنانيون ثمن المغامرات التي لم يختاروها.

أما الإعلاميون والسياسيون الموالون للحزب، فقد دخلوا مرحلة أكثر غرابة وطوراً من التيه. لم يعودوا يدافعون عن الوقائع، بل عن الرواية التي تمنحهم مبرراً للاستمرار. كلما اتسعت الفجوة بين الواقع وخطابهم، ازدادوا تشبثاً بالشعارات، وكأنّ تكرارها قادر على تغيير الحقائق.

لكن الوقائع أكثر عناداً من الخطب. لا يمكن لأي رواية أن تمحو حقيقة أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها الدولة، وأنّ القرار العسكري يعود تدريجياً إلى المؤسسات الشرعية، وأنّ المجتمع الدولي يتعامل مع بيروت الرسمية، لا مع الدويلات.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أنّ الذين أمضوا سنوات يتهمون خصومهم بالارتهان للخارج، باتوا اليوم عاجزين حتى عن تفسير سبب انتقال المبادرة بالكامل إلى الدولة اللبنانية. فبدلاً من قراءة المتغيرات، يفضلون الهروب إلى معارك وهمية حول الشرف والكرامة وكل هذه الشعارات، وكأنّ السياسة، في نهاية المطاف، تُدار بالنوايا لا بموازين القوى، وبالهتافات لا بالنتائج.

إنّها لحظة فارقة في الحياة السياسية اللبنانية. فهناك من قرر مواجهة الواقع، مهما كان صعباً، وهناك من لا يزال يعتقد أن الصراخ أعلى من الحقائق، وأنّ إعادة تدوير الشعارات يمكن أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء، والوقائع تقول إنّ زمن احتكار قرار الحرب والسلم انتهى، فيما تتقدم، ولو ببطء، فكرة الدولة.

أما محترفو الإنكار من أنصار «حزب الله»، فلهم أن يواصلوا الخطابة والتغريد. لكنهم، في النهاية، لن يغيروا حقيقة واحدة: لا أحد يستطيع أن يبني مستقبلاً على أنقاض الأكاذيب والوهم.