البطريرك الطوباوي الياس الحويك ودوره في مواجهة كارثة المجاعة (١٩١٤ - ١٩١٨)
البطريرك الطوباوي الياس الحويك ودوره في مواجهة كارثة المجاعة (١٩١٤ - ١٩١٨)
لقد رفعت الكنيسة المارونية، شعار: « إما القوت وإمّا الموت». ما قام به مع أمين سره الخوري بولس عقل، في مواجهة أهوال المجاعة ومقاومة إبادة اللبنانيين يكاد يكون من العجائب وشهادة صارخة على طوباويته وقداسته.
لقد أبرز باحثون كثر دور البطريرك الطوباوي الياس الحويك في سبيل قيام دولة لبنان الكبير، كما أبرزوا إنجازاته في المجالين التربوي والاجتماعي، على سبيل المثال لا ا
مدرسة الطائفة المارونية في روما.
لحظ حصة للطلاب في مدرسة سان سولبيس – باريس.
معبد باريس.
بطركخانة القدس.
صرح جديدة قنوبين.
جمعية راهبات العائلة المقدسة.
تمثال سيدة لبنان القائم على أكمة حريصا.
الإنجاز الأكبر: مقاومة إبادة اللبنانيين
ولكن الإنجاز الأكبر، بحسب رأينا، هو مقاومته العملية لخطة إبادة اللبنانيين من خلال تجويعهم.
صحيح أنّ هناك الأسباب المختلفة لهذه المجاعة، ومنها انهيار مداخيل مربي القز، والجراد، والحصار البحري، وجفاف المناخ، والأمراض والأوبئة، ونقص اليد العاملة، ومصادرة وسائل النقل، والغلاء، وجشع التجار، واضطراب التعامل بالعملة الورقية، وغيرها من الأسباب المختلفة. لكن السبب المركزي - بحسب رأينا- هو ما بيّنه آخر متصرف عثماني على جبل لبنان أوهانس قيومجيان في مذكراته التي حملت عنوان:
Le Liban à la veille et au début de la guerre. Mémoires d’un gouverneur 1913–1915, Paris, 2003.
إذ يؤكد هذا المتصرف أنّ لجنة «تركيا الفتاة» كان هدفها تدمير لبنان والقضاء، عن طريق الجوع، على قسم كبير من سكانه، وبالتالي إلغاء الاستقلال اللبناني.
١- البطريرك الحويك يحدد أسس المواجهة
ردًا على هذه الكارثة، أصدر البطريرك الياس الحويك، في ٩ كانون الأول ١٩١٦، توجيهًا إلى الرعايا، وأبرز ما جاء فيه:
أ- أن يبادر كل مطران في أبرشيته إلى طلب لوائح مضبوطة فيها أسماء الفقراء العاجزين عن كسب معاشهم، بواسطة كهنة الرعايا ومشايخ الصلح ووجوه القرى الذين يجب أن يصدقوا على هذه اللوائح.
ب- متى صارت هذه اللوائح عند مطران الأبرشية، يستدعي إليه رؤساء الأديرة ووكلاء المدارس والأوقاف في الأبرشية، وتنفذ خطة لتوزيع الحنطة أسبوعيًا على أولئك الفقراء، ويؤخذ ثمنها من كراسي المطارنة والأديرة والمدارس والأوقاف.
ت- ترفع نسخة من أسماء اللوائح إلى المتصرف للمطالبة بكمية الحنطة اللازمة لأولئك الفقراء.
ث- المطران الذي يوزع الحنطة يجمع أكلافها وثمنها من الوكلاء الذين يتسلمونها، ويسهر على وصولها للفقراء وحدهم، وعلى أهل الكنيسة أن يستدينوا الأموال اللازمة حتى يستمر التوزيع جاريًا إلى أن تنتهي الأزمة.
ج- ومن أجل تيسير الحصول على المال المطلوب، فوّض البطريرك المعنيين بإجراء ما يلزم من عقود الرهن والبيع.
٢- عناصر الخطة:
لقد وضع البطريرك الحويك مع أمين سره، الخوري بولس عقل (المطران لاحقًا سنة ١٩١٩)، خطة شاملة لمواجهة الكارثة ترتكز على عدة محاور:
- تعبئة شاملة لقوى الاغتراب اللبناني من أجل المساعدة.
- إقناع الجانب الفرنسي بتخفيف الحصار البحري لإيصال إرساليات الاغتراب إلى الأهل في الداخل.
- استنفار أساقفة الكنيسة المارونية في الداخل والخارج، خاصة في مصر - من خلال المطران يوسف دريان- وفي روما من خلال المطران المقرّب من البابا بندكتوس الثالث عشر، نعمة الله أبي كرم.
- تنظيم جهاز بشري ينقل الإرساليات من مصر إلى أرواد، ثم إلى الشاطئ اللبناني (البوار ثم الفيدار). وقد أمّنت ذلك الباخرة الفرنسية «بوريو» بمساعدة بحارة لبنانيين بقيادة بشارة البواري.
- تنظيم مجموعة من المراسلين الذين ينقلون الإرساليات من الشاطئ إلى الخوري بولس عقل في مخابئه الجبلية، ثم إيصالها إلى أصحابها في القرى، وقد بلغ عدد هؤلاء المراسلين ما لا يقل عن ٩٥ شخصًا.
- تنظيم شبكة من الكهنة في أكثر من ٥٠٠ قرية تكون صلة الوصل بين المراسلين والمستفيدين من المساعدات.
كانت عملية إنزال المساعدات على الشاطئ والانتقال بها إلى الجبال تتم في الليل المظلم وبسرية مطلقة، وتتكرر خمس أو ست مرات شهريًا.
كان الخوري بولس عقل يرسل وصلاً مكتوباً بالمبالغ التي يستلمها، والمبالغ إلى أصحابها، مع مستندات خطية كلها ترسل الى الجهات الخارجية المعنية بهذه الإرساليات.
٣- استعمال الرموز والألغاز في المراسلات
من مرتكزات الخطة استعمال الأسماء الرمزية وتغيير أماكن إقامة الخوري بولس عقل ومكان وصول المساعدات بحراً وذلك خوفًا من انتقام السلطات العثمانية.
ومن الأسماء المستعملة:
البطريرك الحويك: أبو ناصيف.
المطران يوسف دريان: الدكتور عارف.
الخوري بولس عقل: حكمت أفندي الخوجة، الشيخ طنوس فارس، حارس، يوحنا، والعقل (S.N.).
المونسنيور ميخائيل حويس: الدكتور مخائيل أو محمد جلول.
يوسف كرم: جواني أو إبراهيم.
إبراهيم كرم شقيق يوسف كرم: بطرس.
نعوم باخوس: حنا فرنسيس.
الدكتور ألفرد خوري كان لقبه: الرجل.
وكان الهدف من هذا الترميز المحافظة على سرية عمليات الإغاثة، وفي هذا السياق يقول الخوري بولس عقل في إحدى رسائله:
«لم يعلم أحد سوى أبي ناصيف بما بيننا... لم يطلع أحد على السر، لئلا يشيع ويذيع...».
٤- أبرز جمعيات الاغتراب التي أرسلت المساعدات
أبرز الهيئات والجمعيات التي ساهمت في إرسال المساعدات إلى لبنان كانت:
أ- لجنة منكوبي سوريا ولبنان في نيويورك، وكان جبران خليل جبران مسؤولًا أساسيًا فيها.
ب- جريدة الهدى، وبواسطة نعوم مكرزل.
ت- الخوري فرنسيس واكيم في الولايات المتحدة.
ث- المونسنيور يوسف يزبك في الولايات المتحدة.
ج- الجمعيات اللبنانية في باريس.
ح- بطركخانة الموارنة في بور سعيد.
خ- لجنة منكوبي المجاعة السورية في مصر، والجمعية المارونية في مصر، التي كان يرأسها داود بركات، ثم خلفه أنطون باشا الجميل.
د- جمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة في الأرجنتين.
ذ- جمعية أعمال الرحمة في بوينس آيرس.
ر- جمعية سوق الشفقة في باريس بواسطة المونسينيور عمانوئيل فارس
ز- الأخويات المارونية في الخارج.
س- دوائر الفاتيكان المختلفة
ش- الصليب الأحمر الدولي انطلاقًا من الولايات المتحدة.
٥- الأموال المرسلة
أ- كان الخوري بولس عقل يكلّف رسلًا، (غالبًا الخوري يوسف الحصري) لتصريف الأموال الفرنسية أو الإنكليزية أو الذهبية إلى ليرات وغروش عثمانية في مدينة بيروت.
ب- ومن خلال عملية حسابية تقريبية، يمكن الاستنتاج أنّ أكثر من ١٣٥ ألف شخص من نحو٥٠٠ قرية، ومن مختلف الطوائف، استفادوا من هذه المساعدات، مع العلم أنّ عدد الموارنة في المناطق اللبنانية سنة ١٩١٨ لم يكن يزيد على ١٨٠،٢٠٨ نسمة.
ج- بلغت القيمة الإجمالية للمساعدات المرسلة بواسطة الخوري بولس عقل ٣،٦٩٥،٤٣٨ قرشًا صاغًا ورقيًا، كما بلغت مساعدات المطران نعمة الله أبي كرم، وفق تقرير المونسنيور لويس أبي كرم، أربعة ملايين فرنك فرنسي، ووزعت على المطارنة، والرؤساء العامين للرهبنات، وبعض الآباء. أما مجموع المساعدات الفرنسية المقدمة حتى نهاية الحرب فقد بلغ ٤٥٥،٥٤٧ فرنكًا فرنسيًا.
د- وبتحرك المهاجرين اللبنانيين في أميركا، وبدعم من المطران نعمة الله أبي كرم في الفاتيكان، تمكن الصليب الأحمر الدولي من إرسال باخرة محملة بكميات كبيرة من المساعدات، منها:
٥٠٠ غالون من زيت بذر القطن.
٨٢٥ ألف باشل (أي شوال) من القمح
ألف صندوق من الحليب المركز.
٢٠٠ ألف باشل من السكر.
٨٠ ألف باشل من الفول.
٩٨٠ ألف باشل من الطحين.
١٠٠ ألف باشل من البرغل.
٣٠٠ ألف باشل من الأرز.
٥ آلاف غالون من الكاز.
٤٥٨ صندوقًا من الأدوات الصحية والأدوية للمستشفيات
١٣٦٤٠قدم مكّعب من المواد الغذائية والثياب
لقد أصرّ البطريرك الحويك على أن يقوم الجهاز الإكليريكي بتقديم الخبز والطعام للجياع. وفي تقارير مقدّمة من مطارنة الأبرشيات (حتى أواخر سنة ١٩١٦):
يذكر مطران طرابلس أنّ المصروف من النقود على الفقراء والمحتاجين بلغ الى الآن نحو ستين ألف قرش، ما عدا المآكل التي يتناولونها في الكرسي الأسقفي، وما عدا الحبوب والإغلال التي كانت تُرسل لهم الى بيوتهم، كما أُعفي الناس من دفع العشور طوال فترة الحرب.
مطران صور فتح في كرسيه مطبخًا مخصوصاً للفقراء، وعددهم يتراوح بين المايتين والأربعين والعشور تركت، وكذلك قسماً وافراً من الديون. وحتى العام ١٩١٦ قدمت المطرانيةمصاريف مختلفة على الفقراء لا تقل عن ١٠٩،٥٠٧ قروش.
مطرانية بيروت يتردد عليها أسبوعيًا فوق الألف فقير، وقد أصرّ المطران أن توزّع صواني القداسات على فقراء المنطقة، حتى العام ١٩١٦ صرفت المطرانية ٦٢،٢٩٩ قرشًا في هذا المجال.
مطرانية بعلبك صرفت أثمان مؤن وأجور الأشغال وإحسانات وثمن قمح للفقراء ما يقارب ٥٣،٤٥٠ قرشًا.
مطرانية دمشقعدد المعوزين الجائعين الذين كانوا يترددون عليها يزيد عن ١٥٠ يوميًا، ومعدل الخبز الذي تمّ توزيعه منذ نيسان وحتى نهاية سنة ١٩١٦ كان لا يقل عن خمسة وعشرين قنطارًا، ونصف القنطار من القمح.
مطرانية صيدا صرفت على الجياع ما يساوي ٣٤،٢٠٠ قرش.
الرهبنة البلدية صرفت حتى العام ١٩١٦ ما يقارب ٤٣٢،٦٨٤ قرشًا.
الرهبنة الأنطونية وضعت تقريرًا بتوزيع الخبز والطعام والطحين والنقود والحطب الذي تقدّمه.
جمعية المرسلين اللبنانيين صرفت ١٤٥،٠٩٧ قرشًا.
أديار مختلفة صرفت حتى سنة ١٩١٦ ما مجموعه ٤١٤،٤٦٧ قرشًا. بموازاة دفع المال وإطعام الفقراء وتوزيع الحبوب، كان هناك تقارير عن تشغيل الفقراء في أعمال مختلفة والسماح لهم بقطع الحطب من الأحراج،وتوزيع الألبسة والأدوية، وترك الرسوم والعشور، وحصول بيع ورهن لبعض أراضي الأوقاف لتأمين الأموال، واستحداث مآوٍ للأيتام والمشرّدين وكبار السن.
وفي أرشيف البطريركية المارونية وثائق عن كميات الحنطة الموزعة على مختلف القرى، فقد وُزع على ٤٣٩٣ فقيراً في بلاد البترون سنة ١٩١٧، بما يزيد عن ألف رطل قمح، إضافة إلى افتتاح عشرات المطاعم المجانية في مختلف المناطق.
لقد رفعت الكنيسة المارونية، بلسان أمين سر البطريركية الخوري بولس عقل، شعار:
«إمّا القوت وإمّا الموت».
واستطاعت، بالتعاون مع الكنائس الأخرى، ومع أفراد ومؤسسات من السنة والشيعة والدروز، من تخفيف آلام الجائعين، واقتصار الوفيات على ثلث الشعب. و لولا تلك الأشكال المختلفة من المساعدات، لكان المخطط الهادف إلى الوصول إلى الفناء الشامل قد وصل الى هدفه
وبعد مئة عام، يواجه شعبنا تحديات مشابهة ( التدمير والتهجير لربع الشعب اللبناني من أرضه التاريخية. الأعداد الكبيرة من النازحين واللاجئين، سرقة أموال المودعين، الهجرة، وغلاء المعيشة وغيرها..)، وتزايد مشاريع هندسة الشعوب في المشرق العربي، وصياغة خرائط جديدة في كواليس السياسات الإقليمية والدولية.
كم يجدر بنا أن نستلهم من سيرة البطريرك الطوباوي الياس الحويك، وأن ننفذ توصيات المجمع الأنطاكي الإصلاحية (٢٠٠٦) على مختلف الصعد وبخاصة حق المواطنين في بناء عائلة، والحق في السكن، والتعليم، والصحة.
لقد قال المطران يوحنا حبيب عن الخوري الياس، الذي أصبح فيما بعد بطريركًا:
«كاهن أخذ نفسه فراضها على كل فضيلة: عفيف، صدوق، عرفه الجميع بصحة القول والاستقامة. لا يراوغ ولا يحابي، وإذا أتاه متظلم دافع عنه وكفاه مؤونة من نعى عليه وإن كان من أقرب الناس إليه، فكان الباغي يتقيه ويهابه، والمظلوم يجد فيه مستغاثًا لما يجده في غيره.»
لقد كان دور البطريرك الياس الحويك، وأمين سره الخوري بولس عقل، محوريًا في مواجهة أهوال المجاعة. وإنّ ما قاما به من كفاح عظيم لبقاء شعبنا اللبناني على قيد الحياة، يكاد يكون من العجائب التي يجب أن تكون شهادة صارخة على طوباويته وقداسته.

