التاريخ والهويّة ربطاً بالتعلّم

التاريخ والهويّة ربطاً بالتعلّم

  • ٠٨ آب ٢٠٢٦
  • د. ساسين عساف

أدعو جميع التربويين والمؤرخين والمسؤولين الى العمل على إلغاء دمج مادة التاريخ في المناهج الجديدة . العودة عن الخطأ فضيلة فكيف بالعودة عن الخطيئة؟! وأي خطيئة أفظع من طمس الهويّة؟!

ads

تاريخ الشعوب في المناهج التربوية هو عمل معرفي وتعريفي وتكويني خصوصاً في المجتمعات ذات المكوّنات والثقافات المتعدّدة والمعرّضة للهيمنة والتفكّك نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية.. الذاتي منها ما يتعلّق بالنزاعات الداخلية والموضوعي منها ما يتعلّق بالصراعات الخارجية.

من هذه الزاوية نرى أنّ مادة التاريخ  في المناهج التربوية لا يمكن  أن تسري عليها إجراءات أو  قرارات تقنية بسيطة عملاً بنظرية تربوية قد يصحّ تطبيقها في مجتمع ما  وقد لا يصحً في مجتمع آخر ..  لذلك،

أيّ إجراء يمسّ كيانيّة هذه المادة ووظيفيّتها  هو إجراء يسهم في الآتي:

١- إحتثاث هوية الشعوب من جذورها التاريخية يعني إلقاءها في فراغ المعنى و انعدام الحضور.. وهذا ما أسميه هيولية الهوية أو الهوية المائعة التي يسهل نسيلها  ثم تذويبها.. فالتاريخ هو بنية انتروبولوجية إجتماعية وثقافية حيّة، تعيد وعي تكوين وعي الفرد بذاته، وهو بنية إتنوغرافية مستمرّة في أنماط سلوكيات الشعوب أفراداً وجماعات.

تغييب مادة التاريخ عن المناهج التربوية تحت عناوين الدمج والتقليص والمشترك بين المواد وموجبات طرائق التعلّم وسوى ذلك من نظريات تربويّة منسوخة أو مسلوخة يعني عمليّاً  إضعاف قدرة المتعلّم  اللبناني على فهم جذوره وعلى إدراك السياقات التاريخية التي تشكّلت فيها هويّة الشعب الذي ينتمي إليه.

٢- في المجتمعات التي تتعدد فيها الطوائف والإثنيات، يلعب التاريخ دوراً محورياً في بناء «المشترك الوطني» الذي يتجاوز الانتماءات الضيقة. فحذف مادة التاريخ أو تقليصها أو دمجها  يؤدي إلى فراغ معرفي بالجذور والتراث يجعل المتعلّم بلا ذاكرة وأقل ارتباطاً بهويّة وطنية جامعة وتجعله أكثر انغلاقاً  داخل «ذاتيّة مصطنعة» بلا أصول وبلا انتماء وذا شخصيّة مبتورة مستضعفة ومستتبعة.

٣- التاريخ قوّة بناء وتكوين، بناء معرفي/تكويني/ وتمكيني   لا ينقل فقط معلومات أو يسرد أحداث، فهذه واحدة من وظائفه التقليدية البسيطة،  بل يصوغ  من خلال إستخدامها، ذاكرة جماعية مشتركة تساعد على بناء تصور متكامل  لمستقبل الجماعة المتمكّنة من وعي هويّتها. وعندما يتم التلاعب به كمادة تعلّم يفقد المتعلّم الإطار المرجعي الذي يربطه بتاريخ الشعب الذي ينتمي إليه أي بالهويّة القوميّة ما يتيح  المجال أمام «بائعي الأوطان والهويّات الأصيلة» كي ينفذوا إلى تفكيك ما راكمته الأجيال السابقة من منجزات حضارية ثم العمل على دفن الهويّة الوطنية بين ركام الهويات الفرعية فتتعمّق الإنقسامات ولا تنتهي إلّا بالفتن والحروب الأهلية.

٤- التاريخ قوّة وعي وإدراك فلسفي/ سياسي واجتماعي/ إقتصادي بطريقة تحليلية تسهم في تنمية التفكير النقدي، حيث يتعلم المتعلمون كيفية فهم الأحداث والظواهر والأفكار والإتجاهات بما فيها الإيديولوجية في سياقاتها المتنوّعة المختلفة والمتناقضة، وكيفية المقارنة فيما بينها ، وتحليل أسبابها ونتائجها. أما تغييبه كمادة تعلّم مستقلة وموصولة بأبعادها بمواد مساعدة على المزيد من فهمها، فيحرم المتعلّم من فرصة تطوير معرفته الشمولية وتعميق تفكيره النقدي، ويجعله في وضعية المتلقي للمعلومات بشكل سطحي وسلبي وغير متفاعل مع مادّة مشوّشة ومبعثرة، معلّمها مرتبك فكيف بالمتعلّم؟

٥- التاريخانية منهج في فهم الإنسان والمجتمع من خلال تطورهما التاريخي. فالظواهر الإنسانية والاجتماعية والسياسية لا تُفهم فهماً صحيحاً إلا إذا دُرست في سياقها التاريخي. والهويات ليست معطيات ثابتة، بل هي ثمرة مسار طويل من التجارب والتحولات ماضيها يمتدّ في حاضرها وهما معاً يمتدّان في مستقبلها

التاريخانية تقوم على عدة مرتكزات:

- هويّة الشعوب هي  نتاج تاريخها.. فكيف للمتعلّم أن يتحرّى هويته ويفهمها  ما لم يتحرّ تاريخ شعبه ويفهمه؟!

- الهويات إمتداد  لكيان تاريخي متحوّل في الزمن وهي ثمرة تفاعل شعب محدّد مع حيّز جغرافي محدّد ومن هنا تصبح الهوية مشروعاً تاريخياً متجدداً يصعب فهمه ما لم يعتمد المنهج التاريخاني في فهم المراحل التي اجتازها وفق معاييرها وظروفها الخاصة فتتكشّف للمتعلّم خصوصيات الهويّة.

- خصوصيات الهويّة تمنح الشعوب فرادتها وانميازاتها الحضارية والثقافية، متى غيّبت عن ذهن المتعلّم ألبسه هذا التغييب لبوس "الفرد المعولم" الذي لا هويّة له سوى ما يتسرب إليه من ميازيب العولمة الخادعة التي عبر وسائل التواصل تسطو عليه وتجبّه من جذوره.

التاريخانية منهج بنائي للذاكرة الوطنية:

-        الهوية لا تُدرك إلا من خلال مسارها التاريخي.

-        تكوين المتعلّم /المواطن لا ينجح إذا تمّ بتره عن جذوره.

-        التاريخ ليس ماضياً منتهياً، بل قوة فاعلة في تشكيل الوعي  بهويّة الحاضر والآتي.

-        تعلّم التاريخ في المجتمعات المتعددة يسهم في تنقية الذاكرة من ترسّبات الفتن والحروب بين المكوّنات المختلفة ويخفّف من حدّة التوتّرات  وصدام الجهالات المتبادلة.

-        تعلّم التاريخ يغلق المجال أمام التوظيف السيّئ للذاكرة فالفراغ المعرفي بالتاريخ تستغلّه السرديات الغبيّة أو تلك الصادرة عن إيديولوجيات التطرّف وبيئات الشراذم الطائفية.

في خلاصة هذا المقال الموقوت والواقع في لجظته التاريخية المناسبة بسبب ما يدور من سجال حول تعلّم مادة التاريخ المدمجة مع عديلاتها في مجال العلوم الإنسانية أدعو جميع المعنيين من تربويين ومؤرّخين ومسؤولين إلى العمل على إلغاء هذا الدمج في ضوء مراجعة فهمهم لدور التاريخ في تكوين هويّة الشعوب وتجدّدها وضمانة استمرارها حيّة ومتمكّنة من مواجهة مشاريع الهيمنة والتفتيت بدءاً بالهيمنة على العقول وتفتيت  ما تبقّى من هويّتنا الوطنية..

العودة عن الخطأ فضيلة فكيف بالعودة عن الخطيئة؟! وأي خطيئة أفظع من طمس الهويّة؟!

د. ساسين عساف

مدير سابق لكلية التربية

عميد سابق لكلية الاداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية

 

ads
ads