من يقف خلف أحداث سبتة؟

من يقف خلف أحداث سبتة؟

  • ١١ آب ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

لا أدلة معلنة أو تأكيدات رسمية تثبت ضلوع إسرائيل في أحداث سبتة، لكن مع توتر العلاقات الإسبانية ـ الإسرائيلية وتصاعد التعاون المغربي ـ الإسرائيلي، تبقى فرضية استفادتها سياسياً من إحراج حكومة مدريد حاضرة

ads

ما جرى في مدينة سبتة الإسبانية لا يبدو مجرد أزمة هجرة عابرة، بل حدث سياسي وأمني كبير سيترك تداعياته على إسبانيا وأوروبا لسنوات. دخول أكثر من سبعين ألف مهاجر خلال أيام قليلة لم يكن مجرد صدفة، بل كشف هشاشة الحدود الأوروبية، ووضع حكومة بيدرو سانشيز في مواجهة واحدة من أكبر الأزمات منذ سنوات. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نحو ستين ألفاً عادوا إلى المغرب خلال فترة قصيرة، فيما بقي آلاف آخرون داخل المدينة، لتتحول المشكلة من أزمة عبور إلى أزمة استقرار وإدارة طويلة الأمد.

لكن بعيداً عن مشاهد الفوضى، بدأت في الأوساط السياسية والدبلوماسية تطرح أسئلة مختلفة. لماذا وقع كل ذلك الآن؟ ومن المستفيد الحقيقي من  إحراج حكومة مدريد وإضعاف صورتها دوليًا، عبر إظهارها عاجزة عن احتواء أزمة حدودية وأمنية، بما قد يؤثر في موقفها السياسي والدبلوماسي؟

منذ السابع من تشرين الأول، اختارت مدريد أن تكون في طليعة الدول الأوروبية الداعمة للفلسطينيين، ورفعت مستوى انتقاداتها لإسرائيل، ودعمت إجراءات استهدفت مسؤولين إسرائيليين، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في العلاقات بين الجانبين. وأصبحت إسبانيا بالنسبة إلى كثيرين داخل إسرائيل رأس الحربة الأوروبية في مواجهة سياسات حكومة بنيامين نتنياهو.

مصدر دبلوماسي غربي أكد أنّ مستوى التنسيق بين المغرب وإسرائيل ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، وأنّ التعاون بين البلدين بات يشمل ملفات متعددة تتجاوز العلاقات التقليدية. وبحسب هذا المصدر، فإنّ هذا التطور يدفع إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت أزمة سبتة جاءت فقط نتيجة عوامل الهجرة، أم أنّها استغلت أيضاً لتوجيه رسالة سياسية إلى مدريد في توقيت حساس.

النتيجة كانت واضحة. إسبانيا وجدت نفسها في صدارة الأخبار العالمية، ليس بسبب موقفها من غزة، بل بسبب عجزها عن حماية أحد أهم حدود الاتحاد الأوروبي. وتحولت الحكومة الإسبانية إلى هدف لانتقادات داخلية وأوروبية، بينما استغلت الأحزاب اليمينية الأزمة لتوجيه هجوم سياسي واسع على حكومة سانشيز، معتبرة أنّ ما جرى دليل على فشل سياسات الهجرة.

لكن المفارقة أنّ المشكلة الكبرى لم تعد في عشرات آلاف الذين دخلوا المدينة، لأنّ المغرب استعاد معظم المهاجرين من حاملي الجنسية المغربية خلال وقت قصير. أما الأزمة الحقيقية فهي في الذين بقوا داخل سبتة، إذ يقدر عددهم بنحو عشرة آلاف شخص من جنسيات مختلفة، بينهم يمنيون وصوماليون ومهاجرون من دول إفريقية وآسيوية أخرى، وهؤلاء لا يمكن إعادتهم بسهولة، ما يضع السلطات الإسبانية أمام تحديات قانونية وأمنية وإنسانية معقدة. كما يواجه المسؤولون أزمة خاصة تتعلق بالقاصرين غير المصحوبين بذويهم، والذين يحتاجون إلى إجراءات قانونية منفصلة قبل اتخاذ أي قرار بشأنهم.

لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت أنّ إسرائيل كانت وراء ما حدث في سبتة، كما لم تعلن أي جهة رسمية وجود تنسيق إسرائيلي في هذه الأزمة. لكن من الواضح أنّ إسرائيل كانت من أكثر المستفيدين سياسياً من إحراج الحكومة الإسبانية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين أسوأ مراحلها منذ سنوات، ومع تصاعد التعاون المغربي الإسرائيلي، سيبقى هذا الملف مفتوحاً أمام كثير من علامات الاستفهام، بانتظار ما قد تكشفه التطورات المقبلة.

ads
ads