أجراء وهميون.. وشركات بلا نشاط تستنزف أموال الضمان الاجتماعي
أجراء وهميون.. وشركات بلا نشاط تستنزف أموال الضمان الاجتماعي
من يستنزف أموال الضمان؟ ومن يحميها قبل أن يدفع المضمون الحقيقي ثمنها؟
أسماء مسجّلة على الورق، شركات لا تمارس نشاطاً فعلياً، وتقديمات تُدفع لأشخاص لا يبدو أنّهم كانوا أجراء لدى الجهات المسجّلين عليها. ملفات متتالية أمام النيابة العامة المالية تكشف نمطاً متكرراً في استغلال نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
في أحدث هذه الملفات، كشفت مديرية التفتيش والمراقبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن ١٥ شخصاً مسجّلين كأجراء لدى شركتَي مطاحن المدينة، وIMCO SEC من دون أن يثبت التحقيق أنّهم كانوا يعملون فعلياً لديهما.
القضية لا تتوقف عند تسجيل أسماء في سجلات الضمان الاجتماعي. فبحسب نتائج التحقيق، أتاح هذا التسجيل الاستفادة من تقديمات صحية واجتماعية من الصندوق من دون وجه حق.
وعلى خلفية ذلك، شمل الادعاء الجزائي أمام القضاء كلاً من ب. ع.، ون. م. ع.، والأجراء الخمسة عشر، بجرائم تتصل بالتزوير والاحتيال والاستفادة غير المشروعة من تقديمات الصندوق وهدر المال العام.
لكن الملف الجديد لا يبدو معزولاً؛ فخلال عام ٢٠٢٥، أحال الصندوق إلى النيابة العامة المالية سلسلة ملفات تكشف آلية متشابهة. في ٢٦ آب ٢٠٢٥تقدّم الصندوق بدعويين ضد شركتَي
Contracting and Services وQUEEN KING OF Services
بعدما أظهرت التحقيقات، وفق ما ورد في الملف، أنّهما لا تمارسان نشاطاً فعلياً رغم تسجيل ٧٣ أجيراً وهمياً عليهما.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، في ٢٥ تشرين التاني ٢٠٠٢٥، ظهرت قضيتان جديدتان في مؤسستين: الأولى ٤٢ أجيراً وهمياً، والثانية ثلاثة أجراء..
وفي ١٨ كانون الأول، وصل التفتيش إلى شركتين إضافيتين: الأولى، بحسب التحقيق، وهمية ولا تملك عنواناً فعلياً رغم تسجيل ١٢ أجيراً عليها، فيما سجّلت الثانية أجيرين.
الأسماء مختلفة. والشركات مختلفة. لكن الآلية، كما تظهرها الملفات، واحدة تقريباً: تسجيل أجراء لا يعملون فعلياً، ثم فتح الطريق أمام الاستفادة من نظام الضمان الاجتماعي.
فكيف تمر هذه التسجيلات؟ ومن يتحقق من وجود الشركة والعمل والأجير قبل أن يصبح التسجيل مدخلاً إلى تقديمات الصندوق؟ والأهم، كم بلغت فعلياً قيمة الأموال التي صُرفت في هذه الحالات؟
الفساد أقدم من ملفات ٢٠٢٥
ما تكشفه هذه القضايا ليس ظاهرة جديدة؛ ففي آب عام ٢٠٠٠، كشف تقرير للجنة الفنية في الصندوق عن التلاعب بـ٦٧ معاملة ضمان صحي خلال الفترة الممتدة بين آذار وأيلول ١٩٩٩، بلغت قيمة ما دُفع أو قُبض من دون وجه حق نحو ٣٠ ألف دولار.
بعد ٢٦ عاماً، تغيّرت الأسماء والملفات، لكن جوهر المشكلة بقي نفسه: ثغرات تسمح باستغلال نظام الضمان وتحويل التسجيل الوهمي إلى منفعة مالية أو صحية غير مستحقة.
هذه الأموال ليست رقماً محاسبياً مجرداً. إنّها أموال يفترض أن تذهب إلى مضمون يحتاج إلى دخول مستشفى، أو علاج، أو دواء، أو رعاية صحية. فكل استفادة غير مستحقة تعني استنزافاً لمورد يفترض أن يكون متاحاً لمن يستحقه فعلاً.
في هذا السياق، المسؤولية لا تقف عند الملاحقة القضائية. فحماية أموال الضمان تبدأ من التحقق من وجود المؤسسة، وصحة علاقة العمل، وصحة التسجيل، قبل أن يتحول الاسم الوهمي إلى تقديمات وأموال مصروفة.
فبعد أكثر من عقدين على كشف حالات التلاعب، لا تبدو القضية مجرد ملفات احتيال منفصلة، بل اختباراً مستمراً لقدرة الضمان الاجتماعي على حماية أمواله، وأموال المضمونين.

