هيفا باعت الترفيه... وجوليا باعت القضية
هيفا باعت الترفيه... وجوليا باعت القضية
هيفا باعت التسلية والترفيه. أما جوليا فباعت إيديولوجيا وتعبئة وتمجيداً للموت. وهذا فرق أخلاقي بالدرجة الأولى، وهيفا، بهذا المعنى، تتقدّم أخلاقياً على بطرس
تعيش جوليا بطرس في دبي، وقد زوّجت ابنها، الأسبوع الماضي، وسط الفرح والفرفشة، وعلى وقع أغاني هيفا وهبي… فيما الذين غنّت لهم «وين الملايين» و «غابت شمس الحق» و «أحبائي» باتوا تحت التراب أو مشرّدين بعيداً عن الجنوب.
هذه هي بطرس نفسها التي أمضت عقوداً تغني للناس عن الثورة والمقاومة والشهداء والكرامة، وعن سلسلة طويلة من الشعارات المستهلكة التي باتت اليوم من الماضي. بعض أغانيها استند حتى إلى كلمات رسالة من حسن نصرالله إلى مقاتلي حزب الله، فتحوّلت إلى أغنية تمجّد المقاتلين الذين احتلوا بيروت يوماً، وقتلوا ناسها، واستجلبوا الدمار إلى الجنوب ولبنان.
لم تكن بطرس مجرد فنانة تغني أغاني وطنية. لقد اختارت أن تجعل من فنها خطاباً سياسياً، خطاباً فئوياً، خطاباً لطرف ولجماعة محددة، وأن تمنح حزب الله وقادته ومقاتليه مساحة في وجدان أجيال كاملة. ولكن، أين يعيش اليوم أولئك الذين غنت لهم؟ بعضهم مات، فيما البقية مشرّدون تائهون نتيجة مغامرات الحزب ونتائجها.
أما حياة جوليا بطرس ومثيلاتها من أصحاب الخطابات والأغاني الثورية والأناشيد الحماسية، فتستمر بكل تفاصيلها الطبيعية: أعراس، أفراح، فنادق، سفر، وحياة مريحة… والكثير من البذخ.
المسألة ليست حسداً، ولا اعتراضاً على رفاهية فنان. المسألة هي المسافة الفادحة بين الخطاب والنتيجة. ليست المشكلة أن يعيش الفنان حياته أو أن يفرح بابنه. المشكلة أنّ من اعتاد أن يبيع الناس خطاب التضحية والمقاومة والشهادة، لا يستطيع أن يتعامل مع نتائج ذلك الخطاب وكأنّها تخصّ الآخرين وحدهم.
فثمة فارق هائل بين أن تغني عن الحياة، وبين أن تغني عن الموت من أجل قضية، ثم تنتهي بك الأمور إلى الاحتفال بالحياة بعيداً عن أولئك الذين ماتوا ودفعوا ثمن القضية.
أما هيفا وهبي، التي لطالما قدمت نفسها كفنانة استعراضية وترفيهية، فلم تطلب من جمهورها أن يموت من أجل مشروع سياسي، ولم تبنِ نجوميتها على تعليم الناس معنى القتال والقتل والعيش داخل الأنفاق كما فعلت بطرس.
هيفا باعت التسلية والترفيه، لا أكثر. أما بطرس فباعت رؤية سياسية وإيديولوجيا وتعبئة وتمجيداً للموت والدمار. وهذا هو الفرق. فرق أخلاقي بالدرجة الأولى، وهيفا، بهذا المعنى، تتقدّم أخلاقياً على بطرس.
عندما تكون فناناً ترفيهياً، لا أحد يحاسبك على نتائج مشروع سياسي لم تقدمه أصلاً. أما عندما تجعل من صوتك جزءاً من ماكينة حزب الله، وتمجّد قادتها ومقاتليها، وتربط الفن بالشهادة والنصر والتضحية، فمن حق الناس أن يسألوك، بعد كل هذه السنوات: هل كان كل ذلك نضالاً حقاً، أم كان مجرد فن حماسي لخدمة أوهام سياسية دفع ثمنها آخرون؟

