بيروت بين عرفات والسنوار.. أي دور يُرسم لها رغماً عنها؟
غادر رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات في 30 آب 1982 العاصمة اللبنانية بيروت وعلّق كفاحه وعمل منظمته في أرض ليست أرضه بعد أن أمضى فيها أكثر من عقد من الزمن والتي دفعت ثمناً باهظاً أدى الى حرب أهلية شرذمت وقتلت وهجرت اللبنانيين ومازالوا يدفعون فاتورتها حتى اليوم. غادر المدينة التي إحتضنت الكفاح الفلسطيني. يوم أُقفلت عواصم عربية عدة بوجه منظمة التحرير الفلسطينية، كانت بيروت حاضرة لإحتضان الحقّ الفلسطيني ومنظمة التحرير التي هيمنت على القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية في كثير من الأحيان.
بيروت، تعود اليوم إلى الواجهة من جديد. إلى المعضلة الفلسطينية على أرضها، والفارق أنّها تميل لتتحول إلى عاصمة لنضال فلسطيني عقائدي، كما أرادها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الذي لطالما أطلق عليها لقب «عاصمة المقاومة» في خطاباته، وفي معرض حديثه عن الساحات الموحدة. فهل فعلا ثمة دور أُعطي لبيروت اليوم رغماً عنها، ما بعد عملية طوفان الأقصى؟
بيروت الناطقة الرسمية باسم حركة حماس
على وقع عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، عاد القيادي في حركة حماس، وعضو مكتبها السياسي ومسؤول علاقاتها الخارجية أسامة حمدان إلى بيروت بعد أن كان قد أمضى فترات متنقلاً بين طهران والدوحة. هو القيادي المعروف بعلاقاته القوية مع حزب الله، والذي دخل عام 2016 بوساطة بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس آنذاك موسى أبو مرزوق وإيران لإعادة العلاقات بينهما. وقع على حمدان خيار عقد مؤتمرات رسمية بإسم الحركة من بيروت. ليحطّ في الضاحية الجنوبية لبيروت، ويصبح المتحدث الأول بإسم حماس في زمن الحرب. تُنقل مؤتمراته الصحافية من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى العواصم العربية والعالمية، ومن بيروت يُصعِّد ويتوعد ويقود إعلام حركة حماس بالفم الملآن، في حين تجري قيادات أخرى في الحركة مقابلات تلفزيونية وليس مؤتمرات صحافية من العاصمة القطرية الدوحة في غالب الأحيان، دون الإشارة إلى موقعهم الجغرافي. ومن بين تلك القيادات التي لا نعرف من أين تظهر، يأتي خالد مشعل رئيس الحركة في الخارج الذي يشارك في مقابلات تلفزيونية وخلفه صورة كبيرة للمسجد الأقصى، وكأنّه يحاول القول لنا أنّه في فلسطين لا في عاصمة عربية. والجدير ذكره أنّ تلك الخلفية مثلاً لا نراها في مؤتمرات أسامة حمدان في بيروت التي يغطيها الإعلام العربي.
يتحدث الباحث الفلسطيني المقيم في لبنان هشام دبسي لبيروت تايم عن الضغوطات التي واجهتها حركة حماس في عدد من الدول التي إستضافتها لسنوات. تلك الدول التي ما لبثت أن ضيّقت القيود على حماس في السنوات الأخيرة. يشير دبسي إلى تركيا التي «إضطُرت لإلغاء سياسة الترحيب بقوى الإسلام السياسي على وقع تقرّبها من المملكة العربية السعودية ومصر».
تركيا التي تحولت مؤخراً من دولة مُضيفة ومُرحبة وداعمة للإسلام السياسي، إلى دولة تضع قيوداً عليه. وقد ظهر ذلك جلياً وإلى العلن في تموز 2023 قبل زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أنقرة، حيث قامت أجهزة الأمن التركية بحملة واسعة ضد جماعة الإخوان المسلمين. و لم تجدّد إقامات البعض منهم، وإعتقلت البعض الآخر.
أما الدوحة، التي إستضافت حركة حماس لعقدين من الزمن، مؤمنة لها مكاناً آمناً للعمل، فقد خرج سفيرها في الولايات المتحدة الأميركية الشيخ مشعل بن حمد آل ثاني عن صمته بعد عملية الطوفان والإنتقادات التي طالت قطر، مبرراً وكاشفاً أنّ مكتب الحركة الذي افتُتح في الدوحة عام 2012 أتى إستجابة لطلب من واشنطن بهدف إنشاء خطوط إتصال غير مباشرة مع حماس.
أسامة حمدان لبيرت تايم: بيروت عنوان المقاومة
بيروت تايم توجهت إلى أسامة حمدان مباشرة، سألته عن بيروت ودورها اليوم بحسب أجندة حماس التي إتخذت منها منصة لا يقتصر دورها على الإعلام. حمدان رفض المقاربة قائلاً أنّ الحركة «تخاطب العالم من حيث هي». مضيفا، «لا شك أن للبنان رمزية عالية كونه تعرّض للإجتياح الصهيوني، وتنقّلت المقاومة فيه، ونجحت مقاومته الإسلامية في دحر الإحتلال وهي تمنع العدوان عنها دون تلقي دعم». حمدان أردف بالقول: «يُقدر ذلك للبنان وتُحترم بيروت التي كانت عنوان المقاومة وستبقى».
إلى ذلك وضع حمدان كلامنا حول التضييقات المفروضة على حركة حماس في قطر وتركيا وما إذا كان ذلك سبباً بجعل صوت الحركة يصدر من بيروت في خانة «المعلومات التي لا يدري مصدرها». مؤكداً على مقولته المتمثلة بأنّ «حركة حماس تُصرّح من أينما كانت في العالم».
تجدّر الإشارة هنا إلى أنّ إيران الداعمة الأولى لحركة حماس، كانت قد حاولت عام 2022، بحسب معلومات كشفها لنا الباحث الفلسطيني هشام الدبسي، إتخاذ من بغداد مقراً للحركات الإسلامية واليسار الفلسطيني والعربي المنضوي تحت عباءتها. وفعلاً ناقشت طهران ذلك مع الإدارة الأميركية وعدد من القوى العراقية يوم شغل مصطفى الكاظمي منصب رئاسة مجلس الوزراء العراقي. وحالياً، فليس ثمة معلومات تؤكد ما إذا كان ذلك الهدف قد أُسقط عن الأجندة الإيرانية على ضوء كلّ الإعتراضات الداخلية والخارجية. وليس ثمة من معلومات تؤكد أو تنفي ما إذا كانت طهران قد قررت إستبدال بغداد ببيروت لتصبح العاصمة اللبنانية عاصمة تنظيمات المحور الإيراني وحلفائه وبتعبير آخر منصة لإطلاق الصواريخ.

