هل يتمدّد طوفان الأقصى إقليمياً؟
هل يتمدّد طوفان الأقصى إقليمياً؟
تل أبيب تقصف "الساحات الموحدة" خارج السرب الأميركي، والنيران تطال بيروت ودمشق وبغداد وطهران. فهل بدأ الصراع الإقليمي؟
«تفجيرات الساحات».. رداً على «وحدة الساحات»
تفجيرُ الساحات، وصفٌ يُطلقه البعض على مشهد التفجيرات والإستهدافات المتنقلة التي تشهدها المنطقة. فبعد تصريحات الحرس الثوري الإيراني بأنّ طوفان الأقصى إحدى الردود على إغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني السابق قاسم سليماني، وبعد تأرجح حزب الله بين الإبقاء على جبهته بوضعية «المساندة» أو التمادي بها، وبعد دخول الحوثيين والحشد الشعبي العراقي على خط المواجهة مع إسرائيل وبالتزامن مع فشل العدو في الوصول إلى الأسرى أو قيادات حماس في قطاع غزة، نُفذت عمليات إسرائيلية جالت الساحات من دمشق حيث إغتيل القيادي في الحرس الثوري الإيراني رضي الموسوي قبل نهاية العام 2023، إلى بغداد مع إستهداف المسؤول العسكرّي في حركة النجباء أبو التقوى مطلع العام 2024، مروراً بإغتيال صالح العاروري في بيروت وتفجيرات كرمان على طريق مرقد سليماني، كلّ هذه التحوّلات تستوجب بعض الأسئلة: هل بتنا على مشارف حرب إقليمية؟ هل دخلت المنطقة في المحظور؟ وهل باتت الجبهة اللبنانية قاب قوسين أو أدنى من الإشتعال؟
تل أبيب تخرج عن بيت الطاعة الأميركي
إشتعال المدن العربية، يترافق مع خروج تباينات بين القادة في إسرائيل إلى العلن. يشهد مجلس الحرب الإسرائيلي خلافات بين رئيس الأركان هرتسي هاليفي وعدد من وزراء اليمين المتطرف الذين وقفوا ضدّ قرار هاليفي الرامي الى التحقيق في الأخطاء التي أدت إلى وقوع عملية طوفان الأقصى. وقد توجّه وزير الدفاع بيني غانتس إلى نتنياهو مطالباً إياه إبعاد الجيش الإسرائيلي عن التباينات السياسية ومنع الوزراء من توجيه الإنتقادات للجيش.
جوهر الخلافات بين القادة الإسرائيلين يدور حول المرحلة الثالثة من الحرب وسط تناقضات بين متطرفين يريدون إبقاء شمالي غزة فارغاً من الفلسطينيين وإشعال جبهة الشمال اللبنانية وآخرين غير متحمسين لخيار توسيع الحرب إلى لبنان ومعاكسة النيّة الأميركية المتمثلة بإبقاء جبهة الشمال ضمن قواعد الاشتباك.
تلك التباينات إنعكست على صعيد العلاقات بين واشنطن وتل أبيب حيث فسرّت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية سحب واشنطن«جيرالد فور» من ترسانتها الموجودة في إسرائيل بمثابة موقف أميركي إعتراضي على المشهد الخطر لاسيّما بعد إختراق إسرائيل للمرة الأولى منذ عام 2006 بيروت وتصفية العاروري بعملية مُحكمة ونوعية، قضت على العاروري من قلب الضاحية الجنوبية لبيروت.
إسرائيل توسّع إستهداف لبنان
لم تكتفِ تل أبيب بخرق أمن الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله ومركز غرفة العمليات المشتركة التي تُدير الحرب في المقلب الفلسطيني كما كشفت مصادر مطلعة لبيروت تايم مؤكدة ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية حول وجود غرفة مشتركة تضم حزب الله وحركة حماس والحرس الثوري الإيراني في بيروت، بل كثفت قصفها القرى اللبنانية في الجنوب وصعّدت من هجماتها في الآونة الأخيرة. فقصفت حتى الساعة بحسب مصادر مطلعة أكثر من 44 بلدة جنوبية. متخطية قرى الشريط الحدودي إلى العمق الجنوبي بحيث طالت قرى عدة واقعة شمالي الليطاني في قضاء النبطية.
في هذا السياق يرى الباحث السياسي وأستاذ العلوم السياسية في باريس خطار أبو دياب أنّه بناءً على المشهد الحالي، يبدو أنّ سيناريو الحرب الإقليمية أصبح أكثر واقعية وإحتمالًا. ومع ذلك، يؤكد في حديث مع بيروت تايم أنّ وجود مصالح عُليا لإدارة بايدن تدفع الولايات المتحدة الى ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية للحفاظ على قواعد الإشتباك ومنع توسّع الصراع، لا سيّما على الجبهة اللبنانية. وفقًا لآراء الخبير أبو دياب، يتماشى هذا الموقف الأمريكي مع توجهات إيران، حيث ترغب إيران في تجنّب المواجهة المباشرة مع إسرائيل والحفاظ على برنامجها النووي وتأثيرها في لبنان، وعدم القيام بأي خطوة قد تدفع بايدن نحو خسارة الإنتخابات الرئاسية المقبلة والمقرّرة في أيلول من هذا العام.
هذه العوامل تمثل توازنًا هشًّا وسياسياً دقيقاً، حيث تعمل الأطراف المعنية على تجنّب تصعيد الصراع والحفاظ على الإستقرار الإقليمي في ظل المصالح السياسية والإستراتيجية المتقاطعة.
كذلك، رأى الباحث السياسي في برنامج الشرق الأوسط في مركز ويلسون الأميركي للدراسات السياسية جو معكرون أنّإسرائيل تتّجه إلى توسيع الهجوم، ويُرجح ذلك إلى محدودية الخيارات المتوافرة أمامها في غزة لتحقيق النصر المنشود. وإعتبر في حديث مع بيروت تايم أنّ تل أبيب، على عكس واشنطن، تريد إعادة التأكيد على أولوية مواجهة إيران.
يتلاقى معكرون مع أبو دياب لجهة دخول واشنطن اليوم على خط التهدئة. وتعزّز الجهود الديبلوماسية الأميركية هذه الرؤية حيث سارعت واشنطن بإرسال آموس هوكشتاين كبير مستشاري بايدن لشؤون أمن الطاقة إلى تل أبيب لخفض التصعيد ورفع منسوب الحل التفاوضي بعد إغتيال العاروري، بعد زيارة هوكشتاين السريعة، توجّه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى تل أبيب، حيث يواصل عمله لخفض التصعيد وتعزيز مسار المفاوضات من خلال لقاءات مع قادة في عدد من العواصم العربية.
ذلك المسار يتماشى مع كلام أمين عام حزب الله الأخير يوم الجمعة الماضي حيث قدم السيد نصرالله مادة للمفاوضات قوامها إشتراطه إنسحاب القوات الاسرائيلية من النقاط التي تخرق فيها الخط الأزرق وتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا مقابل إنسحاب حزب الله إلى خلف الضفة الشمالية لنهر الليطاني كما تطالب تل أبيب.
إلى ذلك، تُعتبر الكرة اليوم في ملعب الولايات المتحدة. ويؤكد أنّ النهج الأمريكي الحالي عبارة عن مزيج من إعطاء إسرائيل الوقت والمساحة للإنتقام من حماس، والمشاركة الدبلوماسية في تبادل الرهائن وتقديم المساعدات الإنسانية، والضغط الدبلوماسي حتى لا يتمدّد الصراع خارج غزة. إلّا أنّ معكرون يرى أنّ تلك الأهداف متناقضة وغير فعالة. ويضيف أنّ واشنطن تحتفظ بالوضع الدفاعي في المنطقة وتسعى لردع إيران من شن هجمات إضافية عبر وكلائها وتوسيع مشهد الإقتتال إلى ما لا يُحمد عقباه.
ختاماً، يربط أرباب «وحدة الساحات» مواجهتهم مع إسرائيل بمجريات الوضع الميداني في قطاع غزة، فيما يتخبط مجلس الحرب الإسرائيلي بين متطرفين وآخرين أكثر مسايرة للنهج الأميركي. إلى ذلك، تؤكد مصادر مطلعة أنّ واشنطن ستحافظ على دورها في تل أبيب عبر وجوه إسرائيلية تطبق سياسة بايدن، أبرزها أحد مستشاري بنيامين نتنياهو الذي ينتمي الى الحزب الديمقراطي الأميركي ويُعنى بكبح جماه إسرائيل بالشكل الذي يراه بايدن مناسباً.

