الجرائم الثقافية... من مرفأ بيروت إلى الزيتون الفلسطيني
الجرائم الثقافية... من مرفأ بيروت إلى الزيتون الفلسطيني
الحرب الثقافية هي الصراع الثقافي بين المجموعات الإجتماعية والنضال من أجل السيطرة على المعتقدات والممارسات.
وقد تشير عامة إلى الموضوعات التي تُحدِث خلافات مجتمعية وإستقطابًا سياسيًا في القيم المجتمعية، إضافة إلى الصراعات الثقافية الأخرى القائمة على القيم والأخلاق ونمط الحياة التي توصف بكونها إنقسامًا سياسيًا رئيسًا. وفي هذا الإطار نذكر على سبيل المثال، مونديال قطر الذي كان ساحة للمواجهات الثقافية بقدر ما كان ساحة لمواجهات كرة القدم، إذ إنفجرت هناك مسائل المثلية الجنسية وحقوق العمالة المهاجرة، بل حقوق الإنسان عموماً، وكان العنوان الأبرز لتلك المعارك «قيمنا في مواجهة قيمكم». إلاّ أنّنا سنخوص في الشق الأول من تعريف الحرب الثقافية وسنتطرق تحديداً إلى إنفجار المرفأ الذي دمّر هوية العاصمة بيروت وإلى دلالات إستهداف شجر الزيتون الفلسطيني على يدّ العدو الإسرائيلي.
بيروت «حبيبة البحر»
ترتبط هوية بيروت إرتباطاً وثيقاً بالمرفأ. فهو كان بوابة المدينة إلى العالم ومدخلاً مفتوحاً على منطقة المشرق الأوسع. نمت بيروت حول المرفأ في أوائل العقد الأول من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت المدينة إلى مركز تجاري كبير مع مصر. وإكتسبت بيروت، بفضل المرفأ، هوية عالمية تعددية إذ أضحت مركزاً للتجارة ومنارة للعلم والتفاعل الثقافي والحضاري بين الشرق والغرب . حين قال يوماً عمر فاخوري «هذا الباب المفتوح على مصراعيه للأبيض المتّوسط، من مدنيات وشعوب، يعطيها ويأخذ عنها، ثمّ تقذف به واحة غريقة في الصحراء.»
إلأّ أنّ الانفجار المزدوج الذي هزّ مرفأ بيروت دمّر قلب المدينة، وألحق أضراراً بـ50 % من منازلها ومنشآتها . كذلك، أسفر الإنفجار عن إصابة أكثر من ستة آلاف لبناني، وعن مقتل 181 شخصاً إلى الآن، وما زال هناك بعض المفقودين. نسترجع هذه الذاكرة المؤلمة لتفكيك شيفرة الحرب الثقافية التي من خلال تفجير المرفأ في ذاك الرابع من آب الأسود تمّ الإعتداء على هوية بيروت.
لقد دمّر إنفجار بيروت مئات الأبنية التراثية في بيروت، التي بلغت نحو 640 مبنى تاريخياً، وهي عبارة عن مساكن ومتاحف وقاعات فنون ومواقع دينية، تقع معظمها في الأحياء التاريخية كالأشرفية والكارنتينا، وفي زقاق البلاط وميناء الحصن، ويعود بناؤها للعهد العثماني والإنتداب الفرنسي وهي ذات تراث معماري متنوّع يمتد على مراحل زمنية متفاوتة.
هول كارثة الإنفجار الذي لحق بأبنية بيروت التراثية، يتجلى في شوارع الجميزة ومحيطها، التي كانت تشبه في سحرها الأحياء العريقة القديمة. ناهيك عن آثار الضرّر والدمار الذي لحق بالأبنية الحجرية العتيقة هناك، على السقوف وزجاجها البلوري الملون والقناطر والشبابيك الخشبية وحدائد الشرفات المزخرفة.
شجرة الزيتون «لا تبكي ولا تضحك»
عندما وصف محمود درويش شجرة الزيتون بأنّها «سيدة السفوح... تحيا أختاً لأبدية أليفة وجارة للزمن.. » ليس لأنّها الأَشهر فحسب، بل تعد شجرة الزيتون الأقدم في فلسطين، والفلسطينيون القدماء هم أول من طوَّر زراعتها وإستخراج زيتها وإستثماره، وتمتلك فلسطين أقدم شجرة زيتون بالعالم في قرية الولجة جنوب مدينة القدس، والتي قدر خبراء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) عمرها بحوالي 5500 عام، وهي بذلك أقدم من كلّ الاحتلالات التي مرت على فلسطين.
ويُعد الزيتون، وفق إحصاء وزارة الزراعة الفلسطينية، أكبر المحاصيل الزراعية في فلسطين، ويشكل 45% من المساحة الزراعية الكلية فيها وأكثر من 85% من مساحة أشجار البستنة المزروعة في فلسطين. ويشكل الزيتون مصدر غذاء ودخل رئيسي للمواطن الفلسطيني، فضلاً عن كونه عامل ثبات وصمود له، ويشكل حصنا منيعاً بالدفاع عن الأرض وحمايتها، والفلسطيني يرتبط بالزيتون دينياً وسياسياً وثقافياً وتاريخياً ووجدانياً.
وليس عن طريق الصدفة جاء إستهداف حكومات العدو الإسرائيلي المتعاقبة شجرة الزيتون في مخططاتها منذ عام 1967، فإعتبرتها عدواً لا يقلّ خطراً عن أي مقاوم، وخطّطت لإقتلاعها كما تخطّط لأي عمل عسكري. فمنذ إحتلالها لفلسطين عام 1948 ومن ثم إحتلال الضفة الغربية عام 1967 وإسرائيل تعيث فساداً بشجرة الزيتون، وتستهدفها بالقلع والقطع والإبادة بالتلويث والتسميم.
وعلى صعيد متصل، كانت منطقة قطاع غزة مركزاً مهماً للثقافة والتجارة على مدى قرون طويلة خلال الحكم البيزنطي والروماني واليوناني والمصري، وكل حضارة تركت فيها آثارا تدل على عمق المكان. لكن الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة دمرت أكثر من 100 موقع أثري وتاريخي، وفق دراسة حديثة أجرتها مجموعة التراث من أجل السلام.
أبرز المعالم التاريخية والأثرية التي تعرضت لأضرار كبيرة هي، المسجد العمري الكبير، أحد أهم وأقدم المساجد في فلسطين التاريخية، وكنيسة القديس برفيريوس، التي يُعتقد أنّها ثالث أقدم كنيسة في العالم، ومقبرة رومانية عمرها 2000 عام في شمال غزة، تم ّالتنقيب فيها العام الماضي فقط، ومتحف رفح، في جنوب غزة، الذي كان مكاناً يقصده الدارسون لتاريخ وتراث قطاع غزة الطويل.
حرب ثقافية تخوضها واشنطن
لم يعد خافياً على أحد في العالم أنّ الولايات المتحدة الأميركية تخوض حرباً ثقافية تستهدف أعداءها ولا تستثني أصدقاءها. أخطر ما في هذه الحرب هو إستهداف هوية الشعوب والمجتمعات والدول الأخرى. يخوض الأميركيون حروبهم هذه انطلاقاً من قناعة راسخة مفادها أنّ تفوّق الهوية الأميركية وهيمنتها على ما عداها من هويات يمهّد الطريق أمام مصالحها السياسية والإقتصادية. لذلك تمارس واشنطن حربها هذه بإنتظام ومن دون أيّ تراجع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فتوجّه ضرباتها على جبهة الثقافة العريضة بما تحويه من قيم ومبادئ ومفاهيم وتقاليد، وعادات ومعتقدات ومقاييس ومعايير ونمط حياة وعلوم وأفكار وفنون وآداب. وهذه مجتمعة هي العناصر الثقافية التي تشكّل الوعاء الذي يستوعب ويجسّد الهوية.

