حفلة الطيش
حفلة الطيش
ما يحتاجه العالم اليوم قليل من الرحمة والقلب البشري والنوايا الحسنة لإيقاف هذا الجنون.
لقد وصلنا الى القمر وبات الفضاء مفتوحاً أمامنا، وفككنا الذرّة، واكتشفنا خفايا جسم الإنسان، وتزداد يوماً بعد يوم الدعوات الى التسامح والعدالة واحترام حقوق الإنسان، والحوار والسلام، وهذا الكم الهائل من الدعوات يوحي لإنسان هذا العصر أنّه وصل الى قمة الرقي والعيش الهانيء. لكن من يتأمل أحوال العالم يجِد أنّ العنف يزداد كماً ونوعاً، وبأدوات فعالة تكشف هشاشة هذه الدعوات، لقد مارس إنسان القرن العشرين والواحد والعشرين أقصى درجات العنف، إذ نعيش هاجس حروب مدمرة تستخدم فيها أسلحة عسكرية كانت أو إفتراضية وكلّها تؤدي الى الدمار والهلاك. وما لهذه الأسلحة الإفتراضية من تداعيات كونها غير مرئية، ويتوقع الخبراء أنّه عند إنتهاء مرحلة الحروب العسكرية والدينية سيواجه العالم عنفاً إلكترونياً ستتجلى مظاهره في سلوكيات إجتماعية وثقافية بين الأفراد والجماعات.
يوم وقع إنفجار بيروت ظننا أنّ العالم سيتحرك، ويقاتل ويضطرب معنا أمام هول الكارثة وسيكشف الجريمة ويفعل ما بوسعه لإظهار الحقائق. وأمام ما نرى ونسمع من غزة بعيداً من كلّ الإعتبارات في السياسة والإيديولوجيا والدين وأسطورة معاداة السامية والشعارات، إنّ العالم يرى ويسمع ويتعاطف ويتظاهر، ولكن ما يحتاجه قليل من الرحمة والقلب البشري والنوايا الحسنة لإيقاف هذا الجنون.
كيف لعالم عرف عصر التنوير والتباهي بالعقل والتقدّم، أن يتفرّج على مجازر وإبادات وحروب، يعلن في النهار بناء السلام وفي الليل يبيع الأسلحة ويصنع الحروب ويحرك البلدان والشعوب كأدوات الشطرنج.
هذا الواقع، يظهر بوضوح مُقلق، أنّنا، نحن البشر، نُخادع أنفسنا. فبعد قرون من التباهي بالعقل والتنوير والتقدّم، نجد أنفسنا غارقين في وحشية معاصرة لا تقل عن تلك التي نُنكرها في الحيوانات. فنحن نبيد أنفسنا وندمر كوكبنا.
فأين وحشية الحيوان من شراسة العالم المتحضراليوم الفتاكة والعدوانية المدمرة؟ أين همجية البدائيين من الهمجيات المعاصرة، حيث القتل يتمّ بأعصاب باردة؟
يُجبرنا هذا الواقع المُرّ على إعادة النظر في مفهوم التقدم. هل نحن حقاً متحضرون أم أنّه مجرد قناع نخفي وراءه غرائزنا البدائية؟

