خاص بيروت تايم – موزّع دشّ يتحوّل الى موزّع اشارات قضائية

خاص بيروت تايم – موزّع دشّ يتحوّل الى موزّع اشارات قضائية

  • ٠٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

الشاكي شريك ميداني في تنفيذ المداهمات إلى جانب القوى الأمنية، في تجاوز واضح للأطر القانونية.

تقدّم شركة «Cable Vision»، التابعة لمجموعة «هولكم»، نفسها بوصفها جهة «تنظيمية» لقطاع توزيع القنوات المحلية والأجنبية في لبنان. غير أنّ الوقائع على الأرض تكشف صورة مغايرة تمامًا، أقرب إلى نموذج استغلال النفوذ وتطويع أجهزة الدولة لخدمة مصالح تجارية ضيّقة.

منطقة رومية في المتن الشمالي، شهدت ليل أمس مداهمات نفّذها مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية والملكية الفكرية في قوى الأمن الداخلي، برئاسة العقيد إدي قهوجي، وذلك بناء على شكوى مقدّمة من موزّع يمثّل شركة «Cable Vision» يُدعى إيلي بريخا، عقب انقطاع البثّ عن عدد من سكان المنطقة.

حتى هذه النقطة، قد يبدو المشهد إجراءً قانونيًا طبيعيًا. لكن ما تلا ذلك يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات خطرة. فبحسب معلومات موثوقة، لم يكتفِ مقدّم الشكوى بدوره القانوني، بل رافق القوى الأمنية خلال المداهمات، وكان حاضرًا أثناء التواصل مع المحامي العام التمييزي القاضي رهيف رمضان. مشهد غير مسبوق يخلط بوضوح بين صفة الشاكي وصفة المنفّذ، ويضرب في الصميم مبدأ استقلالية القضاء وحياد الأجهزة الأمنية.

الأخطر، أنّ مصادر أمنية تشير إلى علاقة ملتبسة تجمع القاضي رهيف رمضان بإيلي بريخا، حيث بدت سرعة استجابة القاضي لطلباته خارجة عن السياق الطبيعي للإجراءات القضائية المعتمدة، ما يعزّز الشبهات حول استخدام شبكة علاقات شخصية لتسريع القرارات وتوجيهها.

ولا تقف علامات الاستفهام عند هذا الحدّ. فمسؤولية رئيس مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية والملكية الفكرية، العقيد إدي قهوجي، باتت بدورها موضع مساءلة مشروعة. منذ متى يُسمح للشاكي بأن يتحوّل إلى شريك ميداني في تنفيذ المداهمات؟ وأي نصّ قانوني يجيز لموزّع خاص أن يتقدّم الصفوف إلى جانب قوى الأمن الداخلي؟

من البديهي أنّ المهمة الأساسية لأي جهاز أمني أو قضائي هي حماية القانون والمصلحة العامة، لا الإنخراط في نزاع تجاري لصالح شركة نافذة. إنّ السماح بمثل هذا المشهد، أو التغطية عليه، أو تجاهل مخاطره، يضع الجهة المنفّذة نفسها في دائرة الشبهة، ويفرغ مفهوم العدالة من مضمونه.

هنا، تسقط كل الذرائع القانونية، ويبرز النموذج الكلاسيكي لدول العالم الثالث، ففي أدبيات الفساد السياسي إنّ أجهزة دول العالم الثالث  من أمنية وقضائية تفقد دورها كمؤسسات مستقلة، وتتحوّل تدريجيًا إلى أدوات تُستعمل عند الطلب، لا لتطبيق القانون، بل لحماية مصالح نافذين، أو لتصفية نزاعات تجارية وسياسية.  فلا يعمل الأمن كسلطة ضابطة محايدة، ولا القضاء كمرجعية عدل، بل كخدمة يمكن الوصول إليها عبر شبكة علاقات، نفوذ، أو ولاءات شخصية. هنا، لا يعود المواطن متساويًا أمام القانون، بل يصبح القانون نفسه قابلًا للتفسير وفق هوية الشاكي ومكانته.

أمام هذا الواقع، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل تستخدم أجهزة الدولة لحماية القانون فعلاً، أم لتكريس هيمنة شركة واحدة على حساب المنافسة وحقوق المواطنين وكرامتهم؟