عندما يُستدعى الله الى ساحة الحرب

عندما يُستدعى الله الى ساحة الحرب

  • ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوان الخوري طوق

لم يعُد السؤال: لماذا تُخاض الحروب؟ بل: لماذا الإصرار على خوضها باسم الله؟ ولماذا يُستدعى الله إلى ساحة الحرب؟ علماً أنّه ليس بحاجة إلى جيوش وأحزاب وأنصار؟ إنّ إبعاده عن هذه الساحات نصر له وللإنسان.

 

لم يكن الدين في لحظاته التأسيسية دعوة إلى الحرب وتمجيد السلاح وتطبيع القتل، بل ارتبط تاريخياً بمنظومة قيم تقوم على حفظ النفس وعلى العدل وضبط النزاعات والدعوة الى التراحم بين البشر، ولكن أخطر ما أصابه في حاضرنا وفي بلادنا والمنطقة المحيطة بنا أنّه بات يُستدعى لا ليمنع العنف بل ليبرره، وليضفي عليه قداسة تخرجه من نطاق المساءلة الأخلاقية.

وحين يتحوّل القتل إلى واجب مقدّس فإنّ الإنسان بذلك يفقد حياته مرّتين: مرّة برصاصة ومرّة باسم الله، من هنا تبرز أهمية تدنيس العنف وكسر هالة القداسة الزائفة التي أُحيطت بالحروب والتي يتمّ لفّها برايات دينية، كما تبرز أهمية الدفاع عن جوهر الدين بوصفه نداء للحياة وللتآخي بين البشر لا بوصفه مبرراً للموت، وحين يرفع السلاح بإسم الدين يصبح القتل فوق السؤال والعنف فوق النقد بحيث لا يتمّ اغتيال الإنسان فحسب بل يتمّ اغتيال القيم التي يدّعي الدين أنّه جاء للتبشير بها ولحمايتها.

في بلادنا وفي المحيط لا يُواجه نقد السلاح بالحجة بل بالتخوين، إذ مجرّد التساؤل عن جدوى السلاح أو الدعوة الى السلام ومساءلة العنف فإنّ ذلك يكفي لوصم صاحبه بالكفر والعمالة وضعف الإيمان وضعف الإنتماء، وهكذا يتحوّل السلاح إلى «خط أحمر» يغلق المجال أمام أي نقاش عقلاني حول معنى الحياة وإنسانية الإنسان. ولا يقتصر ترسيخ خطاب العنف وتقديس السلاح وتمجيد الموت والحياة الأخروية على المنابر ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي فحسب، بل يمتد إلى الفضاء التعليمي  والتربوي، ففي بعض المدارس، في مناهجها وبرامجها الدراسية يقدّم العنف في سياق بطولي طهراني، ويتمّ الترويج لمفاهيم الصراع والموت بوصفها ذروة التضحية والإنتماء والإرتقاء من الفانية إلى الباقية، ويتمّ بذلك تهميش قيم الحياة وحقّ وحرية الإختلاف  والعمل المدني فهذا النمط من الخطاب حين يُغرس في أذهان الأجيال في سنّ مبكرة  يسهم في تطبيع العنف وثقافة الإقصاء والإلغاء، ويحدّ من قدرة الأجيال الجديدة على التفكير النقدي ويفتح المجال واسعاً أمام إعادة إنتاج الصراعات والحروب إلى ما لا نهاية، بدلاً من التدريب على نقدها وتجاوزها.

ويرى باحثون في الشأن الديني كما في الشأن التربوي أنّ المشكلة لا تكمن في النصوص الدينية بل في آليات تأويلها وانتزاعها من سياقاتها التاريخية والإنسانية. فالنّصّ الذي ارتبط بمقاصد واضحة وعلى رأسها حفظ النفس وحرمتها، يُعاد توظيفه لخدمة مشاريع سياسية وعسكرية وإيديولوجية تقدَّم على أنّها «تكليف شرعي» و«واجب مقدّس»، فيتم تعليق العقل بإسم الطاعة. ففي خطاب تقديس السلاح يُنظر إلى السؤال بوصفه تشكيكاً والى النقد باعتباره خروجاً عن الجماعة وتنكراً للقضايا المرفوعة. وهنا يفقد الدين أهم أدواره: تحفيز الضمير الأخلاقي، وبدل أن يكون أداة لضبط العنف يتحوّل إلى وسيلة لإطلاقه دون قيود.

ففي ظلّ عالم يشهد تزايداً في النزاعات ذات الخطاب الديني تبدو الحاجة ملحة لإعادة  النظر في مفاهيم «القتال المقدس» و«والعنف الشرعي». الخطاب الديني الذي يُستخدم لتبرير القتل يفقد قدرته على حماية الإنسان، ويصبح جزءاً من الأزمة لا بل الأزمة كلها، بدل أن يكون جزءاً من الحلّ، لا سيما عندما يصبح القتال واجباً دينياً لا يقبل المراجعة ولا النقاش.

إنّ قدسية السلاح وإنزاله منزلة الروح من الجسد والقول بأنّه «سلاح الله»  ليست فكرة دينية خالصة بل بناء سياسي- إيديولوجي يُغذى بالخوف والتخويف ويترعرع في استجلاب العداء والأعداء، ويستمد مشروعيته من تجريد النصوص من مقاصدها. فالنّص الذي جاء لحفظ الحياة يعاد توظيفه ليبرّر إزهاقها وكأنّ الغاية تسبق القيمة والراية تعلو على الإنسان. وحين يدخل السلاح إلى المجال المقدّس يتمّ تعليق كل القيم ويُطلب من الفرد أن يسلّم عقله وضميره لصالح «واجب أعلى»  لا يُناقش، وهنا تحديداً يولد التطرّف حيث يُمنع السؤال، ويُخوّن الشكّ، ويُقدّس القتل.

فالحروب التي تخاض باسم الدين لا تدّمر الأوطان فقط بل تدّمر الدين نفسه في تحوّله من منظومة قيم إلى أداة تعبئة ومن خطاب أخلاقي إلى شعار حزبي: والضحايا في النهاية ليسوا «أعداء الله» كما يُصوّر لهم بل هم بشر عاديين: أطفال، نساء، رجال، عجائز، مدنيون، إضافة إلى البيوت والشوارع والأرزاق والأحلام والذكريات وجنى الأعمار.. ومجتمعات تُسحق تحت ثقل خطاب لا يرى الإنسان إلا رقماً في معركة وصورة على حائط.

إنّ نزع القداسة عن السلاح لا يعني نزع الإيمان من القلوب بل على العكس من ذلك، هو محاولة لإنقاذ الإيمان من التوظيف الدموي فالدين الذي يحتاج إلى القتل ليبقى ديناً فإنّه بذلك يفقد مبرّر جوده الروحي والأخلاقي، والإله الذي يُستدعى لتبرير المجازر ليس سوى إنعكاس لعنف البشر لا تعبيراً عن مشيئة إلهية. إذ عندما يُختزل الدين في شعارات قتالية ويقدّم الصراع بوصفه معركة بين «حقّ مطلق» و «شرّ مطلق»؛ عندما يُطلب من الفرد أن يتخلى عن عقله وأن يطيع دون سؤال لأنّ مجرد السؤال خيانة فبذلك يصبح القتل عبادة لا جريمة. وما الإدعاء ب«نصر إلهي» سوى جريمة أخلاقية.

فالخطاب السياسي المغلّف بالدين يتعامل مع الدنيا على أنّها معبر ومع الحياة كخسارة مؤجلة فيما يُحتفى بالموت كذروة للمعنى. هذا التفضيل الرمزي للآخرة على حساب الحياة الدنيا لا يعكس بالضرورة روح الدين بقدر ما يخدم خطاباً سياسياً يطلب التضحية الدائمة دون مساءلة عن جدوى ما يُضحى من أجله، فإلى جانب توظيف السلاح وخطاب الإستشهاد يبرز نمط متكرّر من تمجيد الموت والآخرة على حساب الحياة الدّنيا، وكأنّ العيش الكريم بات فعلاً ثانوياً أو موضع شبهة.

 في هذا الخطاب يُقدَّم الفقر والدمار والمعاناة اليومية بوصفها ثمناً مقبولاً، لا بل محموداً مقابل وعود أخروية تُستخدم لتعويض الخسائر الأرضية في سياق لعبة الأمم.

هنا خطاب الإستشهاد يتجاوز بعده الديني ليصبح أداة سياسية بامتياز، والدعوة إلى الموت حين تُفصل عن شروطها الأخلاقية والإنسانية فإنّها تُستخدم لتعبئة المجتمعات وتبرير قرارات لا تناقش، وتحويل الخسائر البشرية إلى أرقام شرف، بدل كونها مأساة تستوجب المراجعة. فالفرد محشور بين حياة عادية بلا كرامة أو موت مقدّس يمنح المعنى والمشروعية.

هذا التوظيف لا يخدم بالضرورة القضايا التي يُرفع باسمها بقدر ما يخدم إستدامة الصراع والمستفيدين منه، وإعادة إنتاجه وتحصين خيارات سياسية وعسكرية من أي نقاش عام. إنّ الدعوة إلى تحسين شروط الحياة قد تواجه باتهامات بضعف الإيمان فيما يُقدَّم القبول بالموت وبالخسارة بوصفه دليلاً على الصفاء العقائدي، فالجزاء الأخروي يقابله تغييب الإهتمام بقضايا الحياة اليومية.

خلاصة القول، إنّ إعادة الفصل بين المقدّس والسياسي وبين الدين والسلاح (مالىء الدنيا وشاغل الناس) وإعادة الإعتبار للتعليم بوصفه مساحة لترسيخ قيم الحياة والعقل ليست خيارات ثانوية بل شروط أساسية لأي خروج من دوامة العنف هذه. إنّ المجتمعات التي تعلّم أبناءها تقديس الحياة لا تمجيد الموت هي وحدها القادرة على بناء مستقبل أكثر إستقراراً وإنسانية.

 وربما لم يعُد السؤال: لماذا تُخاض الحروب؟

بل: لماذا الإصرار على خوضها باسم الله؟ ولماذا يُستدعى الله إلى ساحة الحرب؟ علماً أنّه ليس بحاجة إلى جيوش وأحزاب وأنصار؟

إنّ إبعاده عن هذه الساحات نصر له وللإنسان.