من قرار عام 2001 إلى صباح الإغتيال.. كيف سقط خامنئي في قلب طهران؟
من قرار عام 2001 إلى صباح الإغتيال.. كيف سقط خامنئي في قلب طهران؟
في صباح السبت، كان المرشد الإيراني علي خامنئي داخل مقر إقامته في شارع باستور في طهران. لم يكن متخفياً، ولم يكن داخل أحد مخبأيه المحصنين. بعد ساعات، كانت الضربة الأميركية – الإسرائيلية قد نُفّذت بدقة، منهية مساراً استخباراتياً قيل إنّه بدأ قبل أكثر من عشرين عاماً.
تحقيق نشرته صحيفة فايننشال تايمز، وتقرير لاحق لشبكة سي إن إن، يكشفان أنّ العملية لم تكن قرار لحظة، بل نتيجة تراكم طويل من الاختراقات التقنية والبشرية. فبحسب التقريرين، تمكّنت إسرائيل منذ سنوات من اختراق معظم كاميرات المرور المنتشرة في شوارع طهران، وكانت الصور تُشفَّر وتُنقل إلى خوادم خارج إيران، ما أتاح بناء خريطة دقيقة لتحركات كبار المسؤولين وأنماط حياتهم اليومية. أحد المسؤولين الاستخباراتيين الإسرائيليين لخّص ذلك بالقول:«كنا نعرف طهران كما نعرف القدس».
لكن الكاميرات لم تكن سوى جزء من منظومة أوسع وصفها مصدر إسرائيلي بأنّها «آلة لإنتاج الأهداف». النظام، المدعوم بالذكاء الإصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، جمع بين معلومات من الاستخبارات البشرية، واعتراض الإتصالات، وصور الأقمار الصناعية، ومراقبة بصرية، ليحوّلها إلى إحداثيات دقيقة قابلة للتنفيذ العسكري. ووفق«سي إن إن»، فإنّ تشغيل هذا النظام يتطلب فريقاً من خبراء التكنولوجيا ومحللي البيانات والمهندسين، للتأكد من صحة التوصيات قبل اتخاذ قرار الضربة.
الهجوم، بحسب المصادر، كان مخططاً له مسبقاً، لكن التوقيت عُدّل بعد تأكيد استخباراتي أميركي-إسرائيلي بأنّ خامنئي سيعقد اجتماعاً صباح السبت مع كبار المسؤولين. معلومات الاستخبارات الإشارية والشبكات المخترقة أكدت انعقاد الاجتماع في موعده، فيما تحدث مصدران عن وجود مصدر بشري أميركي «أكثر حسماً». في تلك الأثناء، كانت الطائرات تحلق منذ ساعات بانتظار الضوء الأخضر. وعندما حُسمت المعطيات، أُطلقت نحو ثلاثين ذخيرة دقيقة على الهدف.
قبل التنفيذ، جرى تعطيل مكونات نحو اثني عشر برج اتصالات قرب شارع باستور، ما جعل الهواتف تبدو مشغولة عند الإتصال، ومنع وصول أي تحذير محتمل إلى فريق الحماية. أحد المطلعين قال إنّ من غير المعتاد ألا يكون خامنئي في أحد مخبأيه، مضيفاً أنّه لو كان داخلهما لما تمكنت إسرائيل من الوصول إليه بالقنابل المتوافرة لديها.
اللافت أنّ التقارير تشير إلى أن خامنئي لم يكن يعيش متخفياً على نحو دائم. بعض الخبراء يرون أنّه كان يتوقع «الإستشهاد»، وإن كان يتخذ احتياطات خلال الحرب. إلا أنّ صباح السبت لم يكن أحد تلك الأيام.
وترى سيما شاين، المسؤولة السابقة في الموساد، أنّ ما حدث هو ثمرة مسار بدأ عام 2001، حين وجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون تعليماته إلى رئيس الموساد آنذاك مئير داغان بجعل إيران أولوية مطلقة. «كل ما يفعله الموساد جيد، لكن ما أحتاجه هو إيران»، هكذا نُقل عنه. ومنذ ذلك الحين، بحسب شاين، أصبح التركيز الاستراتيجي منصبّاً على اختراق العمق الإيراني.
اغتيال خامنئي، إذاً، لم يكن مجرد ضربة عسكرية في لحظة تصعيد، بل ذروة مسار طويل من جمع البيانات، وبناء الخرائط، وتراكم الإختراقات. مدينة رُصدت بالكاميرات، شبكة اتصالات عُطلت في اللحظة الحاسمة، ونظام ذكاء اصطناعي حوّل كمّاً هائلاً من المعلومات إلى هدف محدد في صباح واحد. هكذا، انتهت القصة في شارع باستور، بعد أن بدأت بقرار سياسي قبل أكثر من عقدين.

