الولايات المتحدة ستأخذ غرينلاند… ولكن من دون قوة
الولايات المتحدة ستأخذ غرينلاند… ولكن من دون قوة
واشنطن تراهن على الوقت، وعلى الإنقسامات، لا على الدبابات. في السياسة الدولية، ما لا يُؤخذ بالقوة، يُؤخذ بالتعب.
لم يعد الحديث عن غرينلاند مجرّد استفزاز إعلامي أو زلّة لسان سياسية، بل تحوّل إلى ملف جيوسياسي حقيقي يتقدّم بهدوء على طاولة التفاهمات الدولية. واشنطن لا تُخفي إهتمامها بالجزيرة الأكبر في العالم، لكنها في الوقت نفسه تُدرك أنّ زمن الشراء القسري أو فرض الأمر الواقع قد ولّى. ما يجري اليوم هو محاولة أخذ غرينلاند بلا حرب، وبلا صدام مباشر، عبر تفكيك الموقف الأوروبي من الداخل.
المعطيات الدبلوماسية الأوروبية، تشير إلى أنّ الإتحاد الأوروبي منقسم بوضوح حيال مسألة غرينلاند. دول أساسية لا ترى سبباً للدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة من أجل جزيرة بعيدة جغرافياً ومحدودة التأثير المباشر على أمنها القومي. دول مثل إيطاليا، النمسا، بولندا، والمجر لا تُبدي أي حماسة لفكرة «الدفاع السياسي» عن غرينلاند، ولا تعتبر أنّ انتقالها إلى النفوذ الأميركي يمثّل خطاً أحمر أوروبياً.
هذا التراخي لا ينفصل عن الواقع العسكري الحالي في أوروبا. الحرب في أوكرانيا جعلت القارة تعتمد أكثر من أي وقت مضى على السلاح الأميركي، وعلى المظلّة الأمنية التي توفّرها واشنطن. في هذا السياق، لا تبدو غالبية العواصم الأوروبية مستعدة لإغضاب المورّد الأول للسلاح في لحظة يعتبر فيها الأمن أولوية مطلقة. غرينلاند، بالنسبة لكثيرين، ليست معركة تستحق هذا الثمن.
حتى المملكة المتحدة، التي يُفترض أنّها لاعب أطلسي ثقيل، اختارت لغة باردة. رئيس الوزراء البريطاني صرّح أنّ مسألة غرينلاند يجب أن تُحل بهدوء بين الحلفاء، في إشارة واضحة إلى رفض التصعيد، وإلى تفضيل تسوية خلف الأبواب المغلقة بدل مواجهة سياسية علنية مع واشنطن.
الاستثناء الوحيد تقريباً هو فرنسا. باريس تُظهر تشدداً واضحاً وترفض أي فكرة تتعلق ببيع غرينلاند أو انتقالها إلى السيادة الأميركية. مصادر دبلوماسية تعتبر أنّ الموقف الفرنسي لا ينفصل عن نظرة باريس إلى نفسها كقوة كبرى مستقلة، لا تزال ترى في الدفاع عن السيادة الأوروبية جزءاً من دورها التاريخي، حتى لو لم يشاركها الآخرون هذا التصور.
في المقابل، الضغوط الأميركية لا تتخذ طابعاً عسكرياً، بل إقتصادياً وسياسياً. كل التهديدات الصادرة عن واشنطن حتى الآن تصب في اتجاه واحد: دفع الدنمارك إلى بيع الجزيرة. لا حديث عن تدخل بالقوة، ولا عن فرض سيطرة مباشرة، بل عن صفقة تُقدَّم كحل «براغماتي» يخدم الجميع، مع ضمانات أمنية واقتصادية.
ما يجري اليوم ليس صراعاً على غرينلاند بحد ذاتها، بل اختبار لمدى قدرة أوروبا على اتخاذ موقف موحّد في مواجهة حليفها الأكبر. وحتى اللحظة، كل المؤشرات تدل على أنّ هذا التوحّد غير موجود، وأنّ واشنطن تراهن على الوقت، وعلى الإنقسامات، لا على الدبابات.
في السياسة الدولية، ما لا يُؤخذ بالقوة، يُؤخذ بالتعب.

