بين التربية التقليدية والشاشات الرقمية: بناء جيل متوازن في عصر التكنولوجيا
بين التربية التقليدية والشاشات الرقمية: بناء جيل متوازن في عصر التكنولوجيا
هل ما زالت التربية الصارمة التي نشأ عليها اللبنانيون صالحة لعالم اليوم، أم أنّه لم يعد هناك مهرب من التربية الحديثة؟
هذا السؤال أصبح محور نقاش متزايد في البيوت والمدارس والمجتمع اللبناني، في ظل تحولات إجتماعية وتكنولوجية غير مسبوقة، تتطلب إعادة النظر في أساليب تربية الأطفال.
فعلى مدى عقود، إرتكزت التربية التقليدية في لبنان على الصرامة والطاعة واحترام سلطة الأهل، باعتبارها وسيلة لضبط السلوك وحماية القيم والعادات الاجتماعية. وقد ساهم هذا الأسلوب في خلق نوع من الإنضباط والمسؤولية لدى الأجيال السابقة، لكنه ترك آثارًا نفسية مثل الخوف من الخطأ، ضعف القدرة على التعبير عن الذات، وانخفاض الثقة بالنفس، وفق أخصائيين نفسيين وتربويين.
ومع انتشار الأجهزة الرقمية والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، يقضي الأطفال في لبنان ما بين 3 و5 ساعات يوميًا أمام الشاشات، وهو ما يضاعف التحديات التربوية. وفق دراسة «مايو كلينك»، فإنّ الإستخدام المفرط للأجهزة الرقمية يرتبط بالسمنة، إضطراب النوم، المشكلات السلوكية، تأخر تطور المهارات اللغوية والإجتماعية، مشكلات الإنتباه، وانخفاض الوقت المتاح للعب الحر والتعلم الواقعي. ولذلك، تؤكد الدراسات على أهمية التفاعل المباشر بين الطفل والوالدين، واللعب الحر، باعتباره أكثر فاعلية من أي وسائط رقمية في نمو الدماغ الصغير.
تفرض التربية الحديثة نفسها اليوم على أساس الحوار، واحترام مشاعر الطفل، وتنمية التفكير النقدي والإستقلالية. وتشمل هذه التربية وضع قواعد واضحة لاستخدام الشاشات، مثل تقليل وقت الجلوس أمام البرامج الرقمية إلى ساعة واحدة يوميًا للأطفال من عمر سنتين إلى خمس سنوات، اختيار محتوى ذي نوعية عالية، والمشاركة في المشاهدة أو اللعب لضمان فهم الطفل لما يراه وتطبيقه في الحياة الواقعية. كذلك يُنصح بتخصيص أوقات خالية من أي أجهزة رقمية، مثل أوقات تناول الوجبات أو ساعة قبل النوم، والحرص على وجود الأجهزة خارج غرف نوم الأطفال.
إضافة إلى ذلك، يشدّد خبراء التربية على تعليم الأطفال والمراهقين السلوك الملائم عبر الإنترنت، مثل التعامل مع الرسائل الشخصية، التمييز بين المحتوى الإعلامي والإعلانات، وفهم أنّ التكنولوجيا تجمع البيانات لتحقيق أرباح. كما يجب تشجيع التفكير النقدي، ومناقشة المحتوى الذي يشاهده الطفل، لمساعدته على تقييم المعلومات بشكل صحيح وتجنب التأثر بالمحتوى المضلل أو العنيف.
إلا أنّ هذا التحول يثير جدلاً داخل المجتمع، بين من يرى أنّ التربية الحديثة تُضعف سلطة الأهل وتؤدي إلى التسيّب، وبين من يعتبر أنّ التمسك بالأساليب القديمة لم يعد صالحًا لعصر سريع التغير. في هذا السياق، يبرز التحدي الأساسي: كيف نبني جيلًا متوازنًا يجمع بين انضباط الماضي ومتطلبات الحاضر دون فقدان الطفل لذاته وقدرته على التعبير؟
الحل يكمن في الدمج بين النموذجين: الحفاظ على الانضباط والمسؤولية من التربية التقليدية، مع تعزيز الحوار، التفكير النقدي، واحترام الفردية من التربية الحديثة، مع توجيه واعٍ لاستخدام التكنولوجيا. هذا النهج يضمن أن ينمو الأطفال نفسيًا واجتماعيًا، قادرين على مواجهة تحديات العصر بثقة وحكمة، وفي بيئة متغيرة سريعة، يصبحون جيلًا واعيًا، مستقلًا، ومتوازنًا بين قيم الماضي ومتطلبات المستقبل.

