«اليوم التالي».. من سيرث الجمهورية الإسلامية؟
«اليوم التالي».. من سيرث الجمهورية الإسلامية؟
قد لا يسقط النظام. وقد يسقط ببطء، عبر تسوية داخلية. وقد ينهار على نحو مفاجئ تحت ضغط الحرب والعقوبات والإحتجاج. لكن المؤكد أنّ «اليوم التالي» لن يكون صفحة بيضاء.
مع بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي الأخير، عاد الحديث عن «اليوم التالي» إلى الواجهة، لا بوصفه تحليلاً نظرياً، بل كاحتمال سياسي يتقدم مع كل ضربة. ومع ذلك، يبقى سقوط النظام احتمالاً لا أكثر. الجمهورية الإسلامية خبرت الحصار، والحروب بالوكالة، والانتفاضات، ونجحت في كل مرة في إعادة إنتاج نفسها بأدوات أكثر خشونة وأقل إقناعاً.
لكن في السياسة، مجرّد طرح سؤال البديل يعني أنّ شرعية القائم لم تعد بديهية. وحين يُفتح هذا الباب، تتزاحم الأسماء والمشاريع، لا لتقدم إجابة نهائية، بل لتعلن إستعدادها لوراثة لحظة ملتبسة قد لا تأتي، أو قد تأتي على نحو فوضوي. البدائل هي ثلاثة لا رابع لها: منظمة «مجاهدي خلق»، «الشاه» رضا بهلوي، والمعتدلون في النظام الحالي.
منظمة «مجاهدي خلق».. التنظيم قبل الشارع
من بين أكثر القوى تنظيماً تقف منظمة «مجاهدي خلق»، التي تتزعمها مريم رجوي من الخارج. هذا التيار ليس وليد اللحظة، بل نتاج صراع دموي مع الجمهورية الإسلامية منذ الثمانينيات. دُفع إلى المنفى، وجرى تجريمه داخل إيران، وتحويله إلى «تابو» سياسي في الوعي الرسمي. لكن التابوهات، حين تهتز الدولة، تعود إلى سوق التداول.
قوة هذا التيار لا تكمن في انتشاره الشعبي داخل إيران، وهو أمر محلّ جدل واسع، بل في بنيته التنظيمية الصلبة، وخطابه المتماسك، وشبكة علاقاته الدولية. يقدم نفسه بديلاً جمهورياً صريحاً: فصل بين الدين والدولة، مساواة قانونية بين الرجل والمرأة، وإعادة تعريف لمفهوم السيادة خارج ثنائية «المرشد – الحرس».
غير أنّ هذا الوضوح نفسه يحمل بذور صدام محتمل. فـ «مجاهدي خلق» يرفضون بصورة قاطعة أي عودة إلى الحكم الملكي، ويرون في المشروع الجمهوري قطيعة نهائية مع كل أشكال الوراثة السياسية. هذا الرفض ليس تفصيلاً، بل خط تماس مباشر مع مشروع آخر يتقدّم بخطاب مختلف تماماً ويحضّر ربطة العنق لاستلام السلطة.
رضا بهلوي: شرعية الإسم وحدود البرنامج
على الضفة المقابلة، يبرز رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل محمد رضا بهلوي. ثقله السياسي لا ينبع من تنظيم هرمي، ولا من جهاز حزبي صلب، بل من رمزية الإسم، ومن حنين شريحة من الإيرانيين إلى «إيران ما قبل الثورة».
بهلوي لا يطرح نفسه دائماً كملك بالضرورة، بل أحياناً كضامن لانتقال دستوريّ قد يفضي إلى استفتاء يحدد شكل النظام. لكن الإشكالية تبقى في الفراغ بين الرمز والبرنامج. ما هو تصوّره التفصيلي للدولة؟ كيف سيتعامل مع إرث أربعة عقود من الجمهورية الإسلامية؟ وما هي أدواته داخل إيران، حيث لا يملك تنظيماً ميدانياً قادراً على التقاط لحظة انهيار مفترضة؟
قوة بهلوي في رمزيته، وضعفه في بنيته. هو عنوان جامع لمعارضين متفرقين، لكنه ليس حتى الآن مشروعَ دولة مكتمل المعالم. وفي حال سقوط النظام بصورة مفاجئة، قد يتحول هذا الغموض إلى ساحة صراع بين من يريد ملكية دستورية، ومن يرى في ذلك رجعية وعودة إلى ما قبل 1979.
المعتدلون: إصلاح من داخل الركام
البديل الثالث لا يأتي من المنفى، بل من داخل النظام نفسه. شخصيات محسوبة على التيار «الإصلاحي» أو «البراغماتي» قد تحاول إعادة إنتاج الجمهورية الإسلامية بصيغة مخففة، تُبقي على بنيتها الأساسية مع تقليص قبضة المؤسسة الأمنية والدينية.
هذا الخيار يستند إلى فرضية أنّ الدولة العميقة، من الحرس الثوري إلى البيروقراطية الدينية، لن تسمح بانهيار كامل، بل ستبحث عن تسوية تحفظ مصالحها. في هذه الحالة، قد يظهر نموذج «انتقال مضبوط»: تعديل دستوري، تقليص صلاحيات المرشد، إعادة فتح قنوات مع الغرب، وإعادة إدماج إيران في الإقتصاد العالمي.
غير أنّ هذا السيناريو يصطدم بسؤال الشارع. فالموجات الإحتجاجية الأخيرة لم ترفع شعار «إصلاح النظام»، بل تجاوزته إلى مساءلة شرعيته. وبالتالي، قد يُنظر إلى أي «معتدل» يخرج من عباءة النظام بوصفه امتداداً له، لا قطيعة معه.
بين البدائل واحتمال الفوضى
المعضلة الإيرانية لا تختصر بتعدد الأسماء، بل بتناقض مشاريعها. منظمة «مجاهدي خلق» يرفضون المَلكية بشكل كامل. أنصار بهلوي يرون في أي مشروع ثوري راديكالي مغامرة غير محسوبة. والمعتدلون يخشون الإنهيار الكامل أكثر مما يخشون استمرار القبضة الأمنية.
في حال ضعف النظام من دون سقوط حاسم، قد تتعايش هذه المشاريع في صراعٍ سياسي بارد. أما إذا انهار فجأة تحت ضغط خارجي وداخلي متزامن، فإنّ التناقضات قد تتحول إلى صدام مفتوح على شكل الدولة المقبلة. التاريخ الإيراني نفسه، من الثورة الدستورية إلى ثورة 1979، يُظهر أنّ لحظات التحول الكبرى لا تُدار دائماً بعقل توافقيّ، بل تُحسم أحياناً بمن يملك التنظيم والسلاح والقدرة على البطش وعلى فرض الأمر الواقع.
لهذا، فإنّ السؤال ليس: من سيحكم إيران؟ بل: هل تملك هذه البدائل قدرة على التفاهم قبل لحظة الإنهيار، أم أنّها ستخوض صراعها بعده؟
قد لا يسقط النظام. وقد يسقط ببطء، عبر تسوية داخلية. وقد ينهار على نحو مفاجئ تحت ضغط الحرب والعقوبات والاحتجاج. لكن المؤكد أنّ «اليوم التالي» لن يكون صفحة بيضاء. سيكون ساحة تنازع بين جمهوريات متخيلة، وملكيات مؤجلة، وإصلاحيات مترددة.
وفي السياسة، أخطر ما في لحظة السقوط ليس غياب البديل، بل تعدّد البدائل المتناقضة. إيران تقف اليوم على هذا الحدّ الفاصل: بين نظام يتآكل، ومعارضة تتكاثر، ومستقبل فوضوي وأكثر تعقيداً من الحاضر الذي تسعى إلى تجاوزه.

