بالفيديو: جمهورية الإنكار.. كيف تُصنع «الحقيقة» في طهران؟

بالفيديو: جمهورية الإنكار.. كيف تُصنع «الحقيقة» في طهران؟

  • ٢٣ آذار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

انترو التاريخ مليء بدول خسرت حروباً، لكنها استطاعت أن تعيد بناء نفسها لأنّها اعترفت بما حصل، وحتى قوى كبرى في مراحل مختلفة، لم تنهض لأنّها انتصرت، بل لأنّها واجهت خسارتها بوضوح.

ليست المشكلة في حجم الضربة على إيران، ولا في أسماء الذين سقطوا، مهما كانت مواقعهم، ولا حتى في اتساع الخسائر التي طاولت بنية عسكرية كاملة. فالحروب، في نهاية المطاف، سجال مفتوح بين ربح وخسارة، بين تقدم وتراجع. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتوقف الدولة الإيرانية، أو من بقي منها، عن رؤية ما يحدث، لا لأنّها لا تملك المعلومات، بل لأنّها ترفض الإعتراف بمضمونها.

حين يُقال إنّ علي خامنئي قد قُتل، ومعه علي لاريجاني وبضعة وزراء وعشرات المسؤولين الكبار في الحرس الثوري، وحين تترافق هذه الضربات مع خسارة واسعة في القدرات البحرية والجوية والدفاعية، فإنّ السؤال الطبيعي لأي دولة هو: ماذا خسرنا؟ وكيف نعيد بناء ما تهدّم؟ لكن هذا السؤال لا يُطرح في طهران. ليس لأنّه غير مطروح في الكواليس، بل لأنّه محظور في العلن. في العلن، لا وجود للخسارة. هناك فقط «صمود». هنا تحديداً، لا نكون أمام أزمة عسكرية، بل أمام حالة إنكار.

هذا التحوّل من توصيف الواقع إلى إعادة اختراعه هو جوهر الإنكار. فالإنكار، في صورته البسيطة، هو رفض الإعتراف بحقيقة ما. أما في حالته المتقدمة، كما تبدو هنا، فهو بناء منظومة كاملة من اللغة والتفسير والإعلام، هدفها ليس إخفاء الحقيقة، بل استبدالها.

وحين يقف عباس عراقجي، وزير الخارجية، ليعلن أنّ الحرب ستستمر حتى هزيمة أميركا وإسرائيل، لا يبدو كمن يحدد هدفاً استراتيجياً، بل كمن يعيد تثبيت السردية. فالجملة، في سياقها، لا تعكس قراءة للواقع، بل محاولة لفرض واقع بديل. كأنّ المشكلة ليست في ميزان القوى، بل في الإعتراف به. الإنكار هنا لا يتجلى بالصمت، بل بالعكس: بفائض الكلام. نظرة سريعة على قناتيّ «الميادين» و «المنار» تخيّل للمشاهد أنّ الجند الإيراني صار على أبواب تل أبيب، فيما مقاتلو «حزب الله» يلاحقون قادة «الموساد» في منافيهم...

هذا أسلوب «محور الممانعة»: تكثر التصريحات كلما تراجعت القدرة. تتصاعد اللغة كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب والواقع. يُستدعى قاموس كامل من مفردات «الصمود» و «الثبات» و «النصر المؤجل»، ليس لوصف ما يحدث، بل لحجب ما يحدث. وهكذا، تتحول اللغة من أداة تفسير إلى أداة إخفاء، ومن وسيلة تواصل إلى جدار عازل.

لكن الأخطر من اللغة، هو ما تفعله هذه اللغة بالعقل الجمعي. فحين تُعاد صياغة كل خسارة على أنّها «إنجاز معنوي»، وكل تراجع على أنّه «مناورة»، لا يعود المجتمع قادراً على التمييز بين الحقيقة والتأويل. يُطلب منه أن يرى ما لا يُرى، وأن ينكر ما هو واضح. ومع الوقت، لا يصبح الإنكار مجرد موقف رسمي، بل حالة عامة، ثقافة كاملة، يُعاد إنتاجها يومياً عبر الإعلام والخطاب السياسي.

هنا، لا يعود النظام وحده من ينكر، بل المجتمع بأسره. وهذا ما يجعل الحالة أكثر خطورة. لأنّ الدولة التي تكذب تعرف، في مكان ما، أنّها تكذب. أما الدولة التي تقنع نفسها بروايتها، فإنّها تفقد القدرة على المراجعة. تفقد المسافة الضرورية بين القرار والنتيجة، بين الفعل وتقييمه. وهنا تحديداً، يتحول الإنكار من أداة دفاع إلى عطب بنيوي. في هذه المرحلة، لا تعود المشكلة في الهزيمة، بل في استحالة الإعتراف بها.

فالتاريخ مليء بدول خسرت حروباً، لكنها استطاعت أن تعيد بناء نفسها لأنّها اعترفت بما حصل. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، اليابان بعد هيروشيما، وحتى قوى كبرى في مراحل مختلفة، لم تنهض لأنّها انتصرت، بل لأنّها واجهت خسارتها بوضوح. أما حين يُستبدل الإعتراف بالسردية، فإنّ الهزيمة لا تنتهي، بل تستمر بأشكال أخرى. هذا ما يجعل الإنكار، في الحالة الإيرانية، أكثر من مجرد خطاب. إنّه آلية حكم.

الإنكار آلية تقوم على إعادة تعريف الواقع، لا على التعامل معه. على إنتاج المعنى، لا على استنتاجه. على فرض تفسير واحد، لا على فتح المجال لتعدد القراءات. وهكذا، تصبح السياسة امتداداً للرواية، لا للوقائع. يصبح القرار نتيجة لما يجب أن يكون، لا لما هو كائن.

لكن الواقع، بطبيعته، لا يخضع لهذه المعادلة. يمكن تجاهله، تأجيله، إعادة تفسيره، لكن لا يمكن إلغاؤه. ومع كل جولة جديدة، يعود الواقع ليذكّر بوجوده، لا كفكرة، بل كضربة، كخسارة، كفارق واضح في القوة. وهنا، يضطر النظام إلى جرعة أعلى من الإنكار، إلى خطاب أكثر حدة، إلى وعود أكبر، فقط ليحافظ على التوازن الداخلي. كأنّ الإنكار يحتاج دائماً إلى إنكار إضافي كي يستمر.

وهذه هي الحلقة الأخطر: كلما ازداد التباعد بين الواقع والخطاب، ازدادت الحاجة إلى توسيع الهوة، لا إلى ردمها. لأنّ الإعتراف، بعد كل هذا، لا يكون مجرد تعديل، بل انهيار كامل للسردية. لذلك، يصبح الإنكار خياراً إلزامياً، لا مجرد رغبة. في هذه اللحظة، لا تعود إيران في مواجهة خصومها فقط، بل في مواجهة الحقيقة نفسها.

 

الحقيقة التي تقول إنّ ميزان القوى ليس وهماً، وإنّ الفارق بين دولة عظمى وتحالف دولي متقدم، وبين دولة منهكة اقتصادياً وعسكرياً، ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه بالشعارات. الحقيقة التي تقول إنّ الحرب ليست نصاً يُكتب، بل واقعاً يُفرض. وإنّ من لا يقرأ هذا الواقع، لا يغيره، بل يُهزم أمامه.

 

ومع ذلك، تستمر الرواية. تستمر لأنّها ضرورية، لا لأنّها صحيحة. لأنّها تمنح النظام القدرة على الاستمرار، ولو مؤقتاً. لأنّها تؤجل لحظة المواجهة مع الذات. لكنها، في الوقت نفسه، تؤسس لصدمة أكبر. لأنّ الفجوة بين ما يُقال وما يحدث، لا تبقى ثابتة. إنّها تتسع، ببطء أولاً، ثم بسرعة. وعند نقطة ما، لا يعود ممكناً ردمها... وحينها ينهار النظام.

 

https://www.instagram.com/reel/DWOGr5pDIUi/?igsh=MTc5ZHIxNzI4dnNheA==