أرشيف الضحايا.. كيف رأى الرسامون ما نعيشه اليوم
أرشيف الضحايا.. كيف رأى الرسامون ما نعيشه اليوم
دوامة العنف تعيد إنتاج نفسها. إنّها حلقة لامتناهية من الفناء، حيث كل موت يستجلب موتاً آخر. هكذا هي حروب منطقتنا، لا انتصار نهائي، بل تراكم دائم للخراب
الوحشية هي صفة إنسانية بامتياز يتقنها البشر، وليس كما يقال إنّها حيوانية. صفة تخصّ كل من سعوا ويسعون ليصبحوا ملوكاً على «حقول من الجثث»، بعد تحويل الحياة الى جحيم لا يطاق. إنّها وحشية تتمظهر في متاريس عقائدية، عرقية، جشع اقتصادي، آلات إستبداد، أوهام دينية، تكنولوجية متقدمة، أسلحة دمار شامل وغير شامل وغير فتاك وما الفرق؟ حروب إقليمية وعالمية تستعرض بخطابات، وتُدار بعقول باردة. هكذا تتحول الحرب من انفجار عشوائي إلى نظام إنتاج، تصدرها مراكز القرار، وتُسوَّقها الأيديولوجيا، وتُنفَّذ باسم الإقتصاد أو الأمن أو الديموقراطية أو التاريخ، ولكن النتيجة تدهور حياة الإنسان، وإغراق المجتمعات بالكآبة والأسى.
في هذا السياق، لا يعود الإنسان مجرد ضحية للحرب، بل مادة لها. تُراقَب حياته، يُعاد تشكيل خوفه، ويُقنَع بأنّ ما يجري ضرورة. وهنا تحديداً، كما يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، تتحول الكارثة إلى حدث عادي، ويتكرر العنف حتى يفقد صدمته. تصبح الحرب جزءاً من القصة، لا انقطاعاً عنها.
أمام هذا الاعتياد، حاول الرسم عبر التاريخ أن يفهم الحروب. لم يقرأ مراكز القوى ولا الأهداف الكبرى، بل قرأها من «عيون الضحايا»، وكأنّه أرشيف مضاد، كي لا يتحول إلى «مكبّر صوت للسلطة» أو «لعبة فيديو»، فيعيد للإنسان صوته داخل هذا الظلم الكبير.
كات كولفيتز ولوحة «الحرب» و«الأمومة»
ربما الأكثر تعبيراً عن ذلك ما نراه في لوحة الحرب التي نشرت عام ١٩٢٣، بعد الحرب العالمية الأولى، للرسامة الألمانية كات كولفيتز التي فقدت ابنها في المعارك. تبدو رؤيتها كأنّها رموز للكوابيس المعاصرة. فالمرأة التي كانت تتمنى أن يُثني فنها الجماهير عن الحرب، أرادت تصوّيرها من وجهة نظر الضحية، فجاءت اللوحة أيقونة صارخة تُجسد المشاعر القاتمة وسط المعاناة التي تكبدتها الزوجات والآباء والأطفال.
أعمال كات كولفيتز تتحدّث عن الحداد بوصفه تجربة جماعية تتجاوز الفرد، حيث تتحول الأجساد، خصوصاً أجساد الأمهات، إلى كتل متراصة تحتمي ببعضها من عالم عبثي. هذا التلاحم الجسدي لا يعكس فقط الخوف، بل يكشف عن غياب أي حماية خارجية، وكأنّ المجتمع يُجبر على إنتاج درعه الخاص من اللحم البشري. وكأنّ كولفيتز تُسقط رؤيتها على مشاهد عائلات لبنان وغزة رغم التباعد الزمني، حيث يصبح الاحتضان فعل مقاومة أخير أمام عنف غير قابل للردع. هنا، لا تعود الأم رمزاً للحياة، بل وسيطاً بين الحياة والموت، تؤجل الفقد دون أن تمنعه. «تمزج بين الكآبة الشخصية والحداد العام». فاستطاعت كولفيتز بذلك تحويل أشباحها الخاصة إلى رؤية جماعية صالحة لكل زمان ومكان.
سلفادور دالي.. وجه الحرب
تُعدّ تحفة سلفادور دالي «وجه الحرب» لوحة كابوسية ومن أقوى الأعمال الفنية المناهضة للحرب في القرن العشرين. رُسمت هذه اللوحة السريالية عام ١٩٤٠، بعد الحرب الأهلية الإسبانية، تدور فكرتها حول تدمير الحرب للروح الإنسانية.
تشير إلى أنّ العنف لا يُغلق، بل يعيد إنتاج نفسه. إنّها حلقة لا نهائية من الفناء، حيث كل موت يحمل بذور موت آخر. وهذا ما نراه في حروب منطقتنا: لا انتصار نهائي، بل تراكم دائم للخراب.
تُصوّر اللوحة جمجمة قبيحة تطفو على خلفية منظر طبيعي قاحل، وتمتلئ تجاويف عينيها وفمها بوجوه صغيرة متطابقة تُجسّد الموت. فكل وجه يحمل نفس الملامح، مما يُشير إلى دوامة العنف التي تُخلّفها الصراعات المسلحة.
تحيط بالجمجمة المركزية أشكال متعرجة لكائنات تلتف على الأرض الجرداء، هذه المخلوقات الشبيهة بالأفاعي، هي رموز تقليدية للشر والإغراء، وجزء من موضوعات اللوحة المتعلقة بالفساد والانحلال الأخلاقي. كما تُضفي درجات اللون البني المهيمنة مزيداً من الكآبة وتترجم صورة بصرية لليأس. بينما تُذكّر بقايا الهياكل العظمية المتناثرة في المقدمة المشاهدين بالخسائر البشرية. لا تُمثل هذه الأرض القاحلة مجرد خلفية، بل تُصبح شخصية قائمة بذاتها في سردية الدمار، مُحوّلة إياها من مجرد بيان بسيط مناهض للحرب إلى تأمل وجودي في هشاشة الإنسان والموت المجاني.
روبنز ولوحة «عواقب الحرب»
رسم بيتر بول روبنز لوحة «عواقب الحرب» بين عامي ١٦٣٨ و ١٦٣٩، رداً على حرب الثلاثين عاماً بين١٦١٨ و١٦٤٨، حيث شهدت تلك السنوات صراعاً معقداً ومتنوعاً، ولعب العداء بين البروتستانت والكاثوليك دوراً كبيراً في تأجيجه.
الحدث الرئيسي حين يندفع مارس، إله الحرب، من معبد مفتوح يرمز الى الحرب، حاملاً سيفاً ملطخاً بالدماء، برفقة إلهة الانتقام. فيما تحاول فينوس، إلهة الحب، كبح جماحه في رمزية واضحة لفشل مساعي السلام. وعلى اليمين، تتجلى أهوال الحرب بوضوح: وحوش الطاعون والمجاعة تنفث النار فوق حشد من الأجساد المرتعدة التي تجسد الوئام، والخصوبة، والأمومة، والإحسان.
يُظهر روبنز في «عواقب الحرب» أنّ العنف ليس فقط تدميراً للروح وللأجساد والممتلكات، بل أيضاً للثقافة والمعرفة والمعنى. فالكتب الممزقة، والموسيقى المكسورة، كلها رموز تشير إلى أنّ الحرب تحطم فكرة المجتمع نفسها، ولاتقتصر على الأفراد فقط.
روي ليختنشتاين ولوحة «واام»
لوحة «واام!» عام ١٩٦٣، خلال حرب فيتنام، للفنان الأميركي روي ليختنشتاين، عمل فني هزلي من نوع فن البوب يصور «رجال الحرب الأميركيين». أما الكلمة «واام» قاموسياً فتعني صوتاً عالياً ناتجاً عن اصطدام أو انفجار بشكل مفاجئ.
وهي عبارة عن لوحتين مترابطتين لعرض مواضيع التفوق العسكري، ووسائل الإعلام، والهوية الأميركية. تنتقد اللوحة التبلد العاطفي للحرب الحديثة من خلال صور جريئة تُحاكي مشاهد القتال الجوي. يُجسد العمل انفجاراً لحظياً بأسلوب يُقلل من وطأة الحرب العاطفية، مُحوّلاً إياها إلى حدث «صبياني» أو مُضحك أو هامشي، مقبول ومعترف به كأمر طبيعي. ويسلط الضوء على الطبيعة العدوانية للقوة العسكرية الأميركية.
ومن خلال الطباعة الصناعية الميكانيكية باستخدام الخطوط العريضة والألوان الفاقعة المسطحة، يُظهر ليختنشتاين كيف تدير وسائل الإعلام الحديثة الحروب وكيف تصنع لنا مواقفنا ورؤيتنا، كما تُجرّدها من إنسانيتها لتشابه لعبة فيديو للتسلية.
عند إسقاط هذا المسار من القراءات على لبنان، تتكشف المأساة بشكل أكثر مأساوية. فحربنا لا تُخاض بالفن بل بالسلاح، وبالسرديات، التي تتحول إلى مفاهيم تعلو على قيمة الإنسان نفسه، فتُهمَّش الخسائر، وتُبرّر التضحيات إلى ما لا نهاية.
وما تنبأت به تلك الأعمال الفنية منذ قرون: أنّ هناك مجتمعات تُترك بلا حماية، وأقوياء يفعلون ما يشاؤون، ومدنيون يتحولون إلى دروع بشرية، وذاكرة جماعية مجرحة منقسمة ومثقلة بصور خراب لا ينتهي.
في النهاية، ما يحدث اليوم يشبه ما تخيّله فيلم «ترمينيتور»: نظام يستمر في العمل حتى لو دمّر كل شيء، إلى أن ينتهي بتدمير نفسه. لكن الفرق أنّ هذا النظام الذي نعيش في ظله ليس خيالاً علمياً أوسينمائياً، بل هو نحن، عندما نُبرر العنف، ونُعيد إنتاجه، ونعتاد عليه. حينها تفقد الكارثة صدمتها وتصبح الحرب هي الشكل الوحيد للحياة.

