بالفيديو: أطفال إيران والإيديولوجيا.. بين البسيج وإعادة تشكيل الوعي
بالفيديو: أطفال إيران والإيديولوجيا.. بين البسيج وإعادة تشكيل الوعي
عندما يتحول الطفل إلى أداة لإدامة النظام عبر الأجيال، تتبدل مفاهيم التربية، والهوية، والانتماء إلى أطر تلغي جوهر الفرد القائم على الحرية وتُعزّز التبعية المطلقة.
أطفال إيران يحملون السلاح في الشوارع. هذه العبارة ليست مجازاً أو مجرد عنوان صادم، بل انعكاس لحملة «مدافعون من أجل إيران» التي أطلقها الحرس الثوري الإيراني.
الحملة فتحت باب التطوع لمن هم فوق 12 عاماً ليس باعتبارهم طلاباً أو ناشئين بدون وزن، بل كقوة يُدرَّبون على الطاعة والانضباط والمراقبة ضمن البسيج، المنظمة شبه العسكرية للحرس الثوري والمعروفة بدورها في مراقبة الفضاء العام وقمع الاحتجاجات.
البسيج، الذي تأسس في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، لم يكن مجرد قوة قتالية مساندة؛
بل شبكة اجتماعية وسياسية متغلغلة في بنية المجتمع الإيراني ووفق دراسة بعنوان: «المجتمع الأسير: ميليشيا الباسيج والسيطرة الاجتماعية في إيران» للأكاديمي سعيد جولكار
من جامعة تينيسي، أصبح البسيج مع مرور الوقت أداة لإعادة إنتاج الولاء السياسي والديني داخل المجتمع، وتثبيت هيمنة النظام عبر وسائل التحكم الإجتماعي. بدلاً من أن يكون قوة عسكرية بعيدة عن الحياة اليومية، البسيج امتد إلى التعليم، والجامعات، والتجمعات الاجتماعية، والأحياء الفرعية..
من هذا المنطلق، الحملة الحالية ليست مجرد نشاط تطوعي تقليدي تبعاً لظروف الحرب، بل عمليّة ممنهجة لإعادة تشكيل الوعي لدى الأطفال والمراهقين، حيث لا يعود حضورهم في الشوارع مجرد وجود جسدي، بل أداة لإرساء قيم الولاء والانصياع بدل التفكير النقدي. في هذا الإطار، تُستخدم مفاهيم مثل المقاومة من أجل الوطن والشهادة والانتماء للنظام الثوري كأدوات لإقناع الشباب بأنّ مشاركتهم ليست مجرد واجب، بل تجسيد لمفهوم ديني وسياسي متأصل في القيم الرسمية للنظام.
الأبحاث في مجال العلوم الاجتماعية والسياسية تشير إلى أنّ الانخراط في شبكات ذات بعد أيديولوجي قوي في سن مبكرة يمكن أن يكون له تأثيرات طويلة الأمد على بنية الشخصية والتصورات الإجتماعية. فالأطفال الذين ينخرطون في نشاطات مرتبطة بالسلطة، والإنضباط، والسيطرة يبنون إطارًا للقيم يتماشى مع السلطة نفسها، لا مع قيم الإرادة الحرة أو الفهم النقدي. بينما يُفترض في الطفولة أن تكون فترة تزدهر فيها الأسئلة والفضول والتفكير المستقل، فإنّ إدماجها في شبكات أمنيّة قمعية يغير من مسار تطور الوعي لدى هؤلاء الأطفال، ويُضعف قدرتهم على النمو الطبيعي والإكتشاف، فضلاً عن التفكير المستقل.
علاوة على ذلك، يحدث تداخل بين الانتماء الأيديولوجي والمكافآت الاجتماعية. في التاريخ الحديث للبسيج، هناك إشارات إلى أنّ عضوية البسيج كانت تُستخدم في مراحل مختلفة كوسيلة للوصول إلى فرص تعليمية أو امتيازات اجتماعية. هذا التداخل بين الولاء والنفع الشخصي يعمّق الروابط بين الأفراد والمنظومة الحاكمة، ما يجعل التخلي عن الولاء أكثر صعوبة مستقبلاً في حال تغيير الظروف.
البعد النفسي والإجتماعي
عندما يتحول الطفل من كائن يحتاج إلى حماية وتوجيه صحي، ليصبح جزءاً من منظومة تربطه مباشرة بالسلطة الأيديولوجية، فإنّ ذلك يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة.
أبحاث واسعة في علم النفس الاجتماعي تشير إلى أنّ التعرّض المبكر لثقافة الانضباط القسري والمراقبة قد يؤدي إلى انخفاض في القدرة على التفكير الإبداعي، وزيادة في القبول التلقائي للأوامر، وتقليل الحافز للتساؤل عن الظواهر الاجتماعية أو السياسية. هذا لا يعني أنّ كل فرد يصبح ذراعاً أيديولوجية فقط، بل أنّ هيكلية تفكيره وقيمه تتشكل وفق ما تقدّمه له البيئة من نماذج وهيكليات قوة.
من الناحية الاجتماعية، يلعب البسيج دوراً في تحويل المساحات العامة إلى ما يمكن تسميته «مساحات للسيطرة والمراقبة»، حيث يتداخل وجود الأفراد المشمولين في شبكته مع الأنشطة اليومية، من الشارع إلى المدرسة إلى الحي. هذه السيطرة على الحياة اليومية والموثّقة في الدراسات الإجتماعية لسلوك البسيج تؤدي إلى تحييد الفضاءات التي كان من الممكن أن تكون مواقع حوار أو اختلاف أو لقاءات تلقائية يومية، فتغيرها إلى فضاءات تتم فيها مراقبة السلوكيات وتوجيهها.
الولاء بدل التفكير
ما يجري في إيران اليوم، من إدماج الأطفال في حملات مثل «مدافعون من أجل إيران»، يعكس ما يصفه جولكار في دراسته بأنّه إعادة إنتاج الولاء عبر أجيال. والبسيج عبر هذه الرؤية ليس مجرد كيان أمني، بل منظومة تربط القيم السياسية والدينية بالفرد منذ مراحله الأولى في الحياة. هذه المنظومة تعمل على إقناع الفرد بأنّ مهمته الأساسية هي حماية النظام والقيم التي يمثلها، وليس مساءلته أو نقده.
الأبعاد الأخلاقية
يبقى السؤال الأخلاقي المركزي: ما الذي يتبقى من الطفولة حين تُستبدل بالولاء؟ وما الذي يتبقى من الاستقلال الفكري حين يصبح الولاء للنظام معياراً للحياة الاجتماعية؟ عندما يتحول الطفل إلى أداة لإدامة النظام عبر الأجيال، تتبدل مفاهيم التربية، والهوية، والانتماء إلى أطر تلغي جوهر الفرد القائم على الحرية وتُعزّز التبعية المطلقة.
ا

