بالفيديو: جحيم دانتي وجحيم ترامب
بالفيديو: جحيم دانتي وجحيم ترامب
المشكلة ليست في التهديد. بل في ما قد يأتي بعده.«الجحيم»، ليس مجرد كلمة. إنّه سلسلة من الأفعال التي، إذا بدأت، قد لا يستطيع أحد إيقافها بسهولة.
عندما كتب دونالد ترامب أنّ أمام إيران 48 ساعة قبل أن «يحلّ عليها جحيم عظيم» لم يكن يتحدث بلغة معقدة. الكلمات بسيطة، لكن فعلها، في السياسة، عظيم.
لفهم ما يجري، يجب تبسيط الصورة. هناك حرب وتوتر كبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. إيران ردت بإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر بحري مهم جداً تمرر عبره نسبة كبيرة من نفط العالم.
عندما يُغلق هذا المضيق، ترتفع أسعار النفط، وتتأثر اقتصادات العالم، من أوروبا إلى آسيا. هنا دخل ترامب على الخط، وقال ببساطة: إما أن تفتح إيران المضيق أو تعقد اتفاقاً… وإلا الجحيم.
لكن ما هو هذا الجحيم «الترامبي»؟ يمكن فهمه عبر المقارنة مع جحيم دانتي أليغييري، الشاعر الذي تخيّل الجحيم على شكل طبقات في كتابه «الكوميديا الإلهية».
في كتاب دانتي، الجحيم مقسّم إلى مستويات. كل مستوى فيه نوع من العذاب، وكلما نزلت أكثر، صار العذاب أقسى.
عند دانتي، هناك نظام واضح: خطيئة أكبر تساوي عقاباً أقسى. أما جحيم ترامب، فهو أيضاً طبقات… لكن بطريقة مختلفة.
الطبقة الأولى: الضغط الاقتصادي، أي فرض عقوبات، ومنع التجارة، ورفع الأسعار داخل إيران. الناس تشعر بالضيق، لكن لا توجد حرب مباشرة بعد، وهذا ما تم سابقاً.
الطبقة الثانية: التهديد السياسي، عبر التصريحات، والمهل الزمنية، والضغط الإعلامي. الهدف هنا هو إخافة الطرف الآخر ودفعه للتراجع.
الطبقة الثالثة: الضربات المحدودة، هجمات عسكرية صغيرة على أهداف محددة، مثل قواعد أو منشآت. رسالة تقول: «نحن جديون»، وهذا ما فعله ترامب حتى الآن.
بعد ذلك، تبدأ المراحل الأخطر. الطبقة الرابعة: ضرب البنية التحتية. استهداف الكهرباء، الطرق، الموانئ، ومصادر الطاقة. هنا تتعطل الحياة اليومية للناس.
الطبقة الخامسة: الفوضى. تكرار الضربات، انهيار الإقتصاد، خوف دائم. الدولة تبدأ بالضعف.
الطبقة الأخيرة: الانهيار، حين يصبح النظام نفسه مهدداً بالسقوط. هذا هو «الجحيم»الذي يُهدَّد به.
لكن هناك جانباً آخر مهماً. إيران أيضاً ليست ضعيفة أو عاجزة. إذا شعرت أن هذا «الجحيم» يقترب منها فعلاً، فمن المتوقع أن ترد بطريقتها. ولكن كيف؟
عبر مضيق هرمز نفسه، إذ يمكنها إبقاؤه مغلقاً وملئه بالألغام البحرية، مما يرفع أسعار النفط أكثر ويؤثر على العالم كله. ومن ثم عبر حلفائها في المنطقة وتسعير الصراعات في كل مكان، مما يوسّع النزاع.
أما الأخطر، فهو إن شعرت إيران أنّ النظام مهدد بالسقوط، فقد تلجأ إلى خيارات أخطر وغير تقليدية. وهنا تكمن الخطورة، إذ لا شيء يمنع أن تستعمل طهران الأسلحة الكيماوية، وذلك على غرار ما فعل النظام السوري والعراقي في السابق.
في جحيم دانتي، كل شيء كان منظماً ومفهوماً. أما في جحيم السياسة الحالية، فالأمور يمكن أن تخرج عن السيطرة بسرعة قصوى.
التهديد بالجحيم لا يعني فقط أنّ طرفاً سيهاجم، بل يعني أنّ الطرف الآخر قد يرد بطريقة تجعل الوضع أسوأ بكثير. لهذا، المشكلة ليست فقط في التهديد. بل في ما قد يأتي بعده. لأنّ «الجحيم»، في النهاية، ليس مجرد كلمة. إنّه سلسلة من الأفعال التي، إذا بدأت، قد لا يستطيع أحد إيقافها بسهولة.

