حزب الله بعد الحرب: سقوط نموذج الإعمار
حزب الله بعد الحرب: سقوط نموذج الإعمار
ما تعيشه بيئة محور الممانعة اليوم ليس مجرد تأخير في إعادة الإعمار، بل سقوط كامل للوهم الذي بُني منذ 2006.
يومها، خرج حزب الله ليقول للناس: “نحن نُدمَّر… ونحن نُعمِّر”. ونجح حزب الله في فرض نفسه لاعبًا أساسيًا في إعادة الإعمار، مستفيدًا من تدفق الأموال من إيران، وبنى صورة “المنقذ” الذي يعوّض ما دمّرته الحرب.
اما اليوم فالبيوت مهدّمة، الأحياء مدمّرة، لا إعمار، لا تعويض حقيقي، ولا حتى بداية حل. فعندما غاب المال من إيران، ظهر الحجم الحقيقي للقدرة وهنا يسقط ادعاء حزب الله بأنه هو من “سيُعيد الإعمار”.
الحقيقة ان كل ما استطاع الحزب تقديمه بعد حرب ال٢٠٢٤ هو مساعدات نقدية محدودة تتراوح بين 300 و400 دولار للعائلات، مع تعويضات تصل إلى 8 آلاف دولار للمنزل المدمر . أرقام لا تبني بيتًا، ولا تعيد حيًا، ولا تصلح مدينة. هذه “مساعدات بقاء”… وليست إعادة إعمار. ما دُمّر بالمليارات، وما دُفع مجرد عشرات ملايين. أين الإعمار إذًا؟
الحقيقة التي تمّ تضليل اللبنانيين بها لسنوات بدأت تنكشف: الحزب لم يكن يومًا قادرًا على إعادة الإعمار. واليوم فلا أحد مستعد أن يدفع لإعمار ما يمكن أن يُدمّر مجددًا بقرار خارج الدولة.
لا أحد مستعد لدفع دولار واحد في بلد تُمسك قراراته جهة مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي. لا أحد يريد أن يعيد إعمار ما يمكن أن يُدمَّر مجددًا بقرار ليس بيد الدولة.
الأولوية لم تكن يومًا الإعمار لأن الحزب يحاول أولًا استعادة قدراته العسكرية، بينما الإعمار مؤجل . يعني ببساطة: السلاح أولًا… الناس لاحقًا. الناس التي تنتظر التعويضات لا تحصل على شيء. البيوت مهدّمة كما هي.
الوعود تتكرر، لكن الأرض فارغة. لا خطة، لا تمويل، لا حتى جدول زمني. فقط خطابات لإقناع الشارع أن المقاومة أداة وجود لا بديل عنها من أجل البقاء.
إيران، الداعم الأساسي، هي نفسها تحت ضغط وعجز. أي أن الجهة التي يعتمد عليها الحزب لم تعد قادرة على تمويل حتى استمراره كما كان، فكيف بإعادة إعمار بلدات كاملة؟ طهران نفسها تحت ضغط اقتصادي وعسكري، وأولوياتها تغيّرت. لم تعد قادرة، أو ربما لم تعد راغبة، بضخ الأموال نفسها.
السؤال لم يعد: متى سيعيد الإعمار؟ بل: هل يستطيع أصلًا؟
الحزب نفسه خرج من الحرب منهكًا. الضربات لم تكن عسكرية فقط، بل طالت بنيته الداخلية. مراكز، قيادات، قدرات لوجستية، كلها تضررت. هذا ليس تفصيلًا. فالتنظيم الذي يعيد بناء نفسه لا يستطيع في الوقت نفسه إعادة بناء مجتمع كامل.
الحزب الذي بنى نفوذه على التمويل الخارجي، تحديدًا من إيران، يواجه اليوم واقعًا جديدًا ، شحّ مالي داخل الحزب، وانكشاف قدرته الحقيقية. وهنا يسقط الخطاب لأن من قدّم نفسه كقوة قادرة على التعويض، تبيّن أنه يعتمد بالكامل على الخارج.
نموذج “الحزب الذي يحارب ثم يعمّر” سقط. لأن الحرب هذه المرة لم تترك له هامش المناورة. ولأن المجتمع الذي كان يعتمد عليه، تغيّر. الناس لم تعد تنتظر شعارات، بل حلول.
دخل ملف الإعمار في لبنان مرحلة تجميد كامل لأن مصادر التمويل الخارجية تراجعت، والقدرات المالية الداخلية، بما فيها شبكة القرض الحسن والدعم الإيراني، باتت محدودة وتحت ضغط وعقوبات. اللبناني الذي خسر بيته اليوم يُترك عمليًا في الفراغ، لا تعويض حقيقي ولا إعمار واضح، وكأن خسارته أصبحت تفصيلًا .
حزب الله الذي قدّم نفسه كبديل عن الدولة، يثبت اليوم أنه غير قادر على لعب هذا الدور. لا مال كافٍ، لا قدرة تنظيمية كافية، ولا بيئة تسمح. وبين الحرب والإعمار، ضاع الوعد… وانكشف الواقع.

