ثقافة الاحتضان وثقافة المواجهة.. لماذا فشلنا مع «حزب الله»؟
ثقافة الاحتضان وثقافة المواجهة.. لماذا فشلنا مع «حزب الله»؟
العجز عن تخيّل خيار ثالث، يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والطوائف والسلاح، خارج ثنائية الاحتضان والمواجهة.
في بلد كلبنان، لا يُنتج الواقع السياسي أفكاراً بقدر ما يفرضها فرضاً. ومنذ أن تكرس وجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية عابرة للحدود، وتحوّل الطائفة الشيعية إلى مركز ثقل متنامٍ في المعادلة الداخلية، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام معضلة تفسير هذا الواقع قبل تغييره: كيف يُفهم هذا الكيان؟ كيف يُقارَب؟ وكيف يجب التعاطي مع بيئته الحاضنة؟
بالواقع، لم تتبلور سياسات بقدر ما نشأت «أطر ذهنية»تحاول احتواء الإشكالية، فانقسم المشهد إلى مقاربتين متقابلتين: «ثقافة الاحتضان»و «ثقافة المواجهة».
تنطلق «ثقافة الاحتضان»من فرضية أنّ البيئة الشيعية ليست كتلة مغلقة، بل بنية اجتماعية وسياسية يمكن النفاذ إليها عبر الاستيعاب والتفهُم. هي مقاربة ترى في الشيعة جماعة خرجت من هوامش الدولة إلى قلبها، محملة بذاكرة طويلة من الحرمان والخوف من التهميش، وبالتالي لا يمكن مخاطبتها بلغة الإدانة أو الصِدام. ضمن هذا المنطق، يصبح التعاطف مع النازحين في الحروب تعبيراً عن أولوية إنسانية تتقدم على الإنقسام السياسي، كما يتحوّل طرح «لبننة حزب الله»إلى محاولة لإعادة توجيه الحزب من مشروع إقليمي إلى إطار وطني، ولو تدريجياً. كذلك، تُقرأ علاقة الحزب بإيران ليس فقط كخيار استراتيجي، بل كامتداد لعقيدة دينية قابلة للتفهم.
هذه المقاربة وجدت ترجمتها الأوضح لدى «التيار الوطني الحر»الذي راهن، منذ تفاهمه مع «حزب الله»، على أنّ الشراكة السياسية يمكن أن تُنتج تحوّلاً داخلياً في سلوك الحزب، أو على الأقل أن تُخضعه لمنطق الدولة عبر الزمن. غير أنّ هذا الرهان اصطدم بتناقض جوهري عندما افترض قابلية مشروع عابر للدولة بأن«يتلبنن»وإعادة تشكيل نفسه داخلها، فيما أثبتت الوقائع أنّ الحزب، كلما تعمّق في الإقليم، ازداد استقلالاً عن أي دينامية داخلية. هكذا، تحوّل الاحتضان من محاولة للتغيير إلى نوع من التكيّف مع الواقع، بل إلى تبرير غير مباشر له أحياناً حيث يصبح التفهم مدخلاً للقبول، لا أداة للتأثير أو التغيير.
في المقابل، تقوم «ثقافة المواجهة»على نقيض هذه الفرضية، إذ ترى أنّ المشكلة لا تكمن في سوء الفهم، بل في طبيعة الكيان نفسه. من هذا المنطلق، لا يمكن استيعاب ما هو خارج عن الدولة، ولا يمكن تبرير سلاح أو ارتباط إقليمي يتناقض مع مفهوم السيادة. لذلك، تذهب هذه المقاربة إلى تحميل «حزب الله»والبيئة الشيعية مسؤولية خياراتها السياسية والعسكرية والويلات التي تعانيها، وترفض أي مقاربة تبريرية، معتبرة أنّ العلاقة مع إيران تشكل خروجاً صريحاً عن الهوية والسيادة الوطنية. في هذا السياق، يصبح نزع السلاح شرطاً مسبقاً لأي إعادة بناء للدولة، لا نتيجة لمسار تفاوضي.
وقد جسّد حزب «القوات اللبنانية»هذا التوجه عبر خطاب واضح، يقوم على المواجهة السياسية المباشرة ورفض أي تسوية مع الحزب خارج إطار الدولة. إلا أنّ هذه المقاربة، رغم صلابتها، اصطدمت بحدودها الخاصة، إذ تعاملت مع البيئة الشيعية كأنّها قابلة للفصل عن الحزب بقرار سياسي أو ضغط أخلاقي أو حملات إعلامية، متجاهلة تشابك البعد الاجتماعي بالعسكري، والهوياتي والديني بالسياسي. كما قللت من وزن العامل الإقليمي الذي يجعل الحزب جزءًا من منظومة أوسع تتجاوز لبنان، ما جعل ميزان القوى الداخلي غير كافٍ لإحداث أي تغيير فعلي. وهكذا، بقيت المواجهة خطاباً عالي السقف، لكنه محدود الأثر، يعمّق الإنقسام أكثر مما يفتح أفقاً للحل.
عند المقارنة بين المقاربتين، تتكشف مفارقة لافتة: كل واحدة منهما تحمل عنصر قوة يقابله خلل بنيوي. «ثقافة الاحتضان»تمتلك القدرة على فهم التعقيد، لكنها تسقط في فخ التبرير والتطبيع مع حالة«حزب الله»الشاذة. في المقابل، تحافظ «ثقافة المواجهة»على وضوح الموقف، لكنها تتجاهل هذا التعقيد نفسه.
الأولى راهنت على الزمن لتليين الحزب، فاكتشفت أنّ الزمن يعمل لصالحه، فيما الثانية راهنت على الصدام لعزله، فاكتشفت أنّ الصدام يعيد إنتاجه داخل بيئته... وبشكل أقوى.
في الحالتين، بقي الواقع على حاله، بل تعزّز. «حزب الله“»حافظ على قوته العسكرية، وبات أكثر تجذراً اجتماعياً عند الشيعة، وأكثر ارتباطاً بمحوره الإقليمي، فيما تبدو بقية القوى اللبنانية وكأنّها تدور في حلقة تفسير لا تنتهي، دون أن تقترب من لحظة التأثير عليه.
المفارقة الأعمق أنّ هاتين المقاربتين، على تناقضهما، تنطلقان من أرضية واحدة، وهي التعامل مع النتيجة بدل تفكيك الأسباب. الاحتضان يسعى إلى تكييف الواقع، والمواجهة تحاول كسره، لكن كلاهما يتجاهل السؤال الأهم: ما الذي أنتج هذا الواقع أصلاً، وما الذي يسمح له بالاستمرار؟ فمن دون إعادة تعريف المشكلة من جذورها، ستبقى كل مقاربة، مهما بدت متماسكة نظرياً، مجرد اجتهاد في إدارة أزمة لا في حلها.
وربما هنا تحديداً يكمن المأزق اللبناني، ليس في اختيار أحد الخيارين، بل في العجز عن تخيّل خيار ثالث، يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والطوائف والسلاح، خارج ثنائية الاحتضان والمواجهة التي استُهلكت دون أن تُنتج أي أثر يُذكر على الحزب وبيئته.

