سلاح الحزب خارج الأنفاق

سلاح الحزب خارج الأنفاق

  • ٢٧ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

كثيرون داخل السلطة لا يريدون فعلاً تفكيك دولة الحزب العميقة، لأنّهم يملكون هم أيضاً نسخهم الخاصة من هذه الدولة داخل وزاراتهم وإداراتهم وطوائفهم.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين إسرائيل و «حزب الله»، تتصرف الدولة اللبنانية كأنها تدير أزمة علاقات عامة، لا أزمة وجود وطن. الكثير من الكلام عن السيادة، والكثير من القرارات والوعود عن «حصر السلاح بيد الدولة»، والكثير من اللقاءات والتفاوض والبيانات. لكن عملياً، لم يحدث شيء فعلي وجدي يمكن القول إنه مسّ جوهر قوة »حزب الله» العسكرية أو السياسية.

أما السبب فبسيط، وهو أنّ سلاح الحزب لا يعيش فقط في الأنفاق والمخازن والقرى الجنوبية. سلاحه الحقيقي موجود أيضاً داخل الدولة نفسها. فـ«حزب الله» لا يحمي ترسانته فقط بالمقاتلين والصواريخ، بل أيضاً بشبكة نفوذ هائلة داخل الإدارات والمؤسسات الرسمية.

هو يحمي سلاحه بالموظف التابع، والمدير المحسوب، والضابط الذي يعرف متى يغض النظر، والموظف الجمركي الذي يفهم جيداً أين يجب ألا يفتح الملفات، وبطبقة كاملة من الفاسدين والمستفيدين الذين يدورون في فلكه، أو في فلك المنظومة اللبنانية الأوسع التي تعايشت معه وتقاسمت النفوذ والمصالح.

ولذلك يبدو الحديث الرسمي عن «نزع السلاح» منفصلاً تماماً عن الواقع. لأنّ أي سلطة تريد فعلاً مواجهة نفوذ الحزب تبدأ أولاً من هنا: من الدولة نفسها. من المرفأ، والمطار، والجمارك، والإدارات، والمعابر، وشبكات التوظيف السياسي، والاقتصاد الموازي، والغطاء البيروقراطي الذي يحمي الحزب يومياً أكثر مما تفعل خطابات أمينه العام.

الحكومة اللبنانية، منذ بداية الحرب، ورغم النية الطيبة، لم تنجح لا في نزع السلاح، ولا حتى في قضم النفوذ الذي يحمي هذا السلاح داخل مؤسسات الدولة. لم نشهد حملة جدية لإعادة بناء الإدارة على أسس مهنية. لم نرِ تنظيفاً فعلياً لمراكز النفوذ. لم نسمع عن مواجهة حقيقية لشبكات الفساد التي تشكل البيئة الحاضنة لقوة الحزب داخل الدولة.

لكأنّ الجميع قرر الاكتفاء بالشكل المسرحي للأزمة: بيانات، وتصريحات، ووعود دبلوماسية، فيما البنية الفعلية التي تحمي الحزب بقيت كما هي، بل ربما أكثر ارتياحاً من السابق.

والمفارقة أنّ الدولة اللبنانية تعرف جيداً أنّها، حتى لو عجزت الآن عن تفكيك ترسانة «حزب الله» العسكرية دفعة واحدة، فهي تملك على الأقل قدرة تدريجية على تقليص نفوذه الإداري والأمني والمالي داخل المؤسسات. تستطيع أن تبدأ من أماكن النفوذ الواضحة. تستطيع إعادة فرض الرقابة. تستطيع كسر شبكات المحسوبيات. تستطيع وقف التعامل مع الإدارات كأنّها مزارع حزبية وطائفية.

لكن شيئاً من هذا لم يحصل بجدية حتى الآن. والسبب أنّ المشكلة لم تعد فقط في «حزب الله»، بل في طبقة سياسية كاملة اعتادت العيش داخل هذا النظام المشوّه. كثيرون داخل السلطة لا يريدون فعلاً تفكيك دولة الحزب العميقة، لأنّهم يملكون هم أيضاً نسخهم الخاصة من هذه الدولة داخل وزاراتهم وإداراتهم وطوائفهم.

ولهذا يبدو المشهد اللبناني اليوم كمن يحاول إقناع العالم بأنّه يريد تفكيك الميليشيا، بينما يرفض لمس الشبكة التي تُطعم هذه الميليشيا وتحميها وتمنحها القدرة على الاستمرار.

فالسلاح لا يعيش وحده. السلاح يحتاج دائماً إلى جهاز إداري يحميه، واقتصاد يموّله، وموظفين يغطونه، ودولة رخوة تتعايش معه. وهذا تحديداً ما لم تجرؤ الحكومة اللبنانية على مواجهته بشكل حقيقي حتى الآن.