عيد الأضحى.. أهالي الجنوب أضاحي على مذبح السياسات الخارجية
عيد الأضحى.. أهالي الجنوب أضاحي على مذبح السياسات الخارجية
) لا عيد في الخيم. المشهد الجنوبي ليس مجرد نتيجة حرب عابرة، بل نتيجة مسار سياسي كامل أوصل الناس إلى هذه اللحظة الثقيلة
كانالجنوبيعرفالعيدجيداً
تعرفه الحقول قبل الناس، وتعرفه الطرقات الضيقة التي كانت تمتلئ منذ الصباح بروائح القهوة واللحم المشوي وأصوات الأطفال الخارجين بثيابهم الجديدة نحو الساحات والبيوت. كان عيد الأضحى في القرى الجنوبية يشبه استراحة قصيرة من تعب السنة؛ مناسبة تستعيد فيها العائلات ما تبقى من طمأنينة الحياة، رغم كل ما مرّ على الجنوب من حروب واعتداءات وأزمات متراكمة.
في بنت جبيل، وفي عيترون، وفي الخيام وميس الجبل والنبطية لم يكن العيد مجرد طقس ديني, كان مناسبة اجتماعية كاملة: أبواب مفتوحة، زيارات متبادلة، أرحام تُوصل، وأطفال يملأون الأزقة بالحركة. حتى الذين أنهكتهم الظروف الاقتصادية كانوا يحاولون انتزاع فرحة صغيرة من قلب التعب. الجنوبي بطبيعته اعتاد الحياة لكنه كان يريد على الأقل أن يعيش أيامه بكرامة، وأن يشعر أن منزله ما زال منزلاً لا مجرد نقطة تماس على خريطة الصراعات.
أما اليوم، فالعيد يمرّ على آلاف الجنوبيين كذكرى بعيدة أكثر منه مناسبة حيّة .
لا عيد في الخيم.
لا عيد في المدارس التي تحولت إلى مراكز نزوح.
لا عيد لمن ترك بيته خلفه تحت الخطر والركام، ولمن بات يقيس يومه بعدد الاتصالات التي توصله بأخبار قريته المهددة أو منزله الذي قد يكون سقط فوق ذاكرته كلها.
كيف يمكن لعائلة نزحت قسراً أن تشعر بفرحة العيد وهي تراقب أبناءها ينامون فوق فرش مؤقتة؟ كيف يمكن لطفل اقتُلع من قريته أن يفهم معنى الأضحى فيما هو يرى أهله يتحولون إلى لاجئين داخل وطنهم؟ أي عيد يمكن أن يمر على أمّ تخفي خوفها كل ليلة كي لا ينهار أطفالها؟ وأي معنى للفرح حين يصبح الإنسان مجرد رقم جديد في قوافل النزوح؟
المشهد الجنوبي اليوم ليس مجرد نتيجة حرب عابرة، بل نتيجة مسار سياسي كامل أوصل الناس إلى هذه اللحظة الثقيلة.. فحين قرر حزب الله ربط الجنوب بمشاريع إيران الإقليمية، لم يكن يسأل أهل الجنوب عن قدرتهم على تحمّل حرب جديدة، ولا عن قدرتهم على دفع كلفة المغامرات المفتوحة. الجنوب بالنسبة إلى هذه السياسات لم يعد مجتمعاً يعيش ويزرع ويحلم، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة متقدمة في مشروع يتجاوز لبنان وحدوده وأولوياته.
ومن هنا تبدأ المأساة الحقيقية.
فالناس الذين كانوا يريدون حياة طبيعية وجدوا أنفسهم فجأة داخل حرب لا تشبههم. حرب تتحدث بلغات الخارج أكثر مما تتحدث بوجع القرى الحدودية. وحين اشتعلت الجبهة، تُرك الجنوبي وحيداً أمام المصير: ينزح وحده، يخاف وحده، ينتظر وحده، ويخسر وحده.
كل ذلك فيما يستمر الخطاب السياسي نفسه، كأنّ شيئاً لم يتغير.
البيوت تُهدم، والقرى تُفرغ، والأرزاق تضيع، لكن ماكينة الشعارات لا تتوقف. كأن المطلوب من الجنوبي أن يبقى مشروع تضحية دائم، وأن يقبل إلى ما لا نهاية بأن يُستخدم وقوداً لحروب الآخرين. وكأنّ حياة الناس أصبحت تفصيلاً صغيراً أمام صورة «المواجهة الكبرى» التي لا تنتهي.
في عيد الأضحى هذا، يبدو المشهد أكثر قسوة من أي وقت مضى.
العائلات التي كانت تذبح الأضاحي باتت هي نفسها تُقاد نحو الذبح البطيء: ذبح الاستقرار، ذبح الأمان، ذبح البيوت، وذبح العمر الذي أفنوه في بناء حياة بسيطة لا أكثر. حتى طقوس العيد تحولت إلى عبء نفسي على كثيرين، لأن العيد يذكّرهم بما خسروه لا بما يملكونه.
الجنوبي اليوم لا يبحث عن خطابات حماسية، ولا عن بيانات تعبئة، ولا عن بطولات تُلقى على الشاشات. هو يبحث عن حقه الطبيعي في أن يعيش. أن يعود إلى أرضه بلا خوف. أن يفتح متجره ومدرسته وحقله. أن يكبر أولاده بعيداً عن أصوات الطائرات والرصاص. لكنه في المقابل يجد نفسه دائماً داخل الحلقة ذاتها: حرب، ثم دمار، ثم وعود، ثم حرب جديدة.
والمفارقة الأكثر مرارة أن الذين يدفعون الثمن ليسوا أصحاب القرارات الكبرى، بل الناس العاديون. المزارع الذي خسر موسمه.. العامل الذي خسر مصدررزقه. الطالب ا الذي انقطعت حياته الدراسية. والعائلات التي تحولت من أصحاب بيوت إلى نازحين يحملون ما تبقى من أعمارهم في حقائب صغيرة.
لقد تم تقديم الجنوب، مرة جديدة، قرباناً على مذبح السياسات الخارجية.
وما يزيد القهر أن هذا التقديم يجري دائماً باسم الناس أنفسهم، فيما الناس لم يعودوا يملكون حتى القدرة على الاعتراض وسط ثقل التخوين والخوف والاحتكار السياسي والعسكري. فكل محاولة للسؤال عن جدوى ما جرى تتحول فوراً إلى اتهام، وكل نقاش حول مصير الجنوب يصبح ممنوعاً أو مؤجلاً إلى ما بعد الكارثة التالية.
لكن الحقيقة تبقى واضحة مهما ارتفعت الضوضاء:
لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش إلى الأبد تحت منطق الجبهات المفتوحة. ولا يمكن لأي منطقة أن تبقى رهينة حسابات إقليمية لا تنتهي. الجنوب ليس مجرد خندق عسكري، بل بشر لهم أعمار وأحلام وتعب وحق بالحياة.
وفي عيد الأضحى، تبدو الصورة جارحة إلى حد كبير:
أهالي الجنوب الذين اعتادوا أن يوزعوا اللحم والفرح على بيوت قراهم، باتوا اليوم موزعين هم أنفسهم بين مراكز النزوح والغرف المؤقتة وقلق العودة. أطفال كانوا ينتظرون العيدية صاروا ينتظرون خبراً يطمئنهم أن منازلهم ما زالت قائمة. وشيوخ كانوا يجلسون أمام بيوتهم صباح العيد صاروا يراقبون نشرات الأخبار بدل استقبال المهنئين.
إنه عيد بلا ملامح. عيد يشبه وجع الجنوب كله.
وإذا كان للأضحى معنى يرتبط بالتضحية، فإن الجنوب قدّم من التضحيات ما يكفي لأجيال كاملة. لكن المأساة أن هذه التضحيات لم تعد مرتبطة بالدفاع عن الناس بقدر ما أصبحت مرتبطة بإبقاء الجنوب عالقاً داخل مشروع أكبر منه، مشروع لا يرى في القرى سوى خطوط نار، ولا يرى في الأهالي سوى أرقام قابلة للإضافة إلى قوائم الخسائر.
هكذا يدخل الجنوب عيده هذا العام:
بعيداً عن قراه، مثقلاً بالخوف، ومحاصراً بأسئلة لم يعد أحد يجرؤ على الإجابة عنها. وبين الخيم والركام والانتظار الطويل، يبدو الجنوبي وكأنه الأضحية الدائمة في حرب لا تنتهي، حرب تبدأ من السياسات الخارجية، لكنها تنتهي دائماً عند أبواب بيوت الفقراء والنازحين والمُتعبين.
